بسم الله الرحمن الرحيم
(الحلقه الخامسه )
بعد الوصول إلى بيشاور توجهنا إلى مضافة خطاب في منطقة بابي واسترحنا هناك لعدة أيام , كانت تلك الأيام مزيجاً من الحزن على فراق طاجيكستان وما آل إليه الجهاد هناك من توقف بسبب خيانة قادة حزب النهضة الطاجيكي , لست أعني بذلك جنوحهم للسلم فكلنا نتمنى ما فيه إيقاف لإراقة دماء المسلمين فالجهاد بذاته شرع لحفظ الدماء وليس لاستباحتها ولكن قيادة حزب النهضة الطاجيكي لم يكن هذا ما يهدفون إليه وإنما كانت غايتهم المشاركة في الحكومة والحصول على مناصب فيها دون أي اعتبار لدماء عشرات الآلاف من المسلمين الذين قتلوا على يد الروس والشيوعيين هناك والله المستعان , أقول كانت تلك الأيام مزيحاً من الألم كما ذكرت سابقاً ومن الفرح بعد أن قمنا بما أمرنا الله به من جهاد في طاجيكستان ومع تلك الذكريات الجميلة فقد كان لنا في منطقة كولاب ذكريات في كل وادي وعلى كل سفح وفوق كل جبل مع إخوة لنا قتلوا هناك أو من عادوا سالمين وبالأجر إن شاء الله .
بعد عدة أيام من الاستراحة توجهت إلى بيت الشهداء محاولاً البحث عن طريق يوصلني إلى البوسنة وهناك كانت مفاجأتي الكبرى حين التقيت بأحد الإخوة الذي هو أخي في الله وأقرب الناس إلى قلبي وكما يقول المثل ( رب أخ لم تلده أمك ) فكان هذا الأخ هو ( أبو الزبير الكابلي ) فلسطيني من أهل غزة ولكنه ولد وترعرع في بلاد الحرمين , كان هذا الأسد شعلة من الإيمان حماساً يتوقد لنصرة هذا الدين فلقد عرفته عن قرب وكان موضع سري وكنت موضع سره , ما أن يسمع بمصيبة حلت بالأمة أو قصة من القصص المأساوية التي جرت أحداثها في البوسنة إلا وينهار باكياً راجياً من الله ألا يحاسبه على كل قطرة دم أريقت من دماء المسلمين دون أن يكون عوناً في إيقافها , شاب امتلأ قلبه بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لو رأيته لأيقنت أن هذا الشخص لا صلة تربطه ببشر هذا الزمان لما ترى فيه من الزهد والعبادة والثورة والحماس المتوقد في نفسه حباً للذهاب للجهاد فكم كنت أنا وهو نطرق كل باب ونسعى في كل طريق بحثاً عن من يوصلنا إلى الجهاد فالتقينا بأخي أبو خولة رحمه الله وصادف في ذلك الوقت أن طرأت ظروف منعت أخي أبا الزبير من الذهاب معنا إلى أفغانستان , عندما التقيت بأخي أبو الزبير الكابلي في مضافة بيت الشهداء كان يعلم حينها أنني في طاجيكستان عندما أخبروه في المضافة بذلك أما أنا فلم أكن أعلم أنه جاء إلى باكستان وأيضاً فقد تفاجأت أنا وهو بهذا اللقاء من دون ميعاد فكانت لحظات جميلة عندما وقفت مشدوهاً غير مصدق ما أرى من شدة فرحتي أما هو فقد صرخ رحمه الله منادياً باسمي الحقيقي أمام الحاضرين في المضافة وذلك من شدة فرحته بلقائي فتعانقنا وبكى بكاءً اضطرني للبكاء معه على إثره فقد كان هذا بكاءً من شدة الفرح والشوق ثم بعد ذلك أخذني إلى إحدى الغرف وقضينا ساعات طويلة ونحن نتحدث دون أن ندرك أن الوقت يمضي بسرعة حيث أخبرني أنه جاء بعدي بأشهر بعد أن انتهت ظروفه وعندما سأل عني علم أني في طاجيكستان فذهب للمعسكر وبعد أن أنهى تدريبه في المعسكر التقى ببعض الشباب الذين كانوا في المضافة حين أقنعوه بفكرة الذهاب إلى جلال آباد والالتحاق بالحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار فذهب إلى هناك والتحق به وشارك في المعارك التي دارت في كابل وقد فاجأني بهذا الكلام عندما علمت أنه شارك في الفتنه الدائرة بين الأحزاب الأفغانية فظللنا نتحدث وأخبرته أنني أرغب بالذهاب إلى البوسنة فأخبرني برغبته أيضاً بذلك ولكنه سيذهب لزيارة أهله ومن ثم يذهب من هناك إلى البوسنة .
وأثناء تواجدي في بيت الشهداء استطعت إيجاد طريق للبوسنة وبدأت في الاستعداد للسفر إلى هناك وبعد أن أعددت كل شيء وحان موعد السفر ودعت أخي وحبيبي أبو الزبير الكابلي على أن يكون لقائنا بعد ذلك في البوسنة ( ولكن للأسف كانت لحظات وداعي لأبوالزبير قبل ذهابي للبوسنة هي أخر مرة سأراه فيها في حياتي حيث أنه عاد لبلاد الحرمين وبعد فترة عندما بدأت أحداث الشيشان كان الطريق مغلق إلى البوسنة ولكنه متيسر إلى الشيشان فاستعان بالله أخي أبو الزبير وانطلق من هناك إلى الشيشان وقتل هناك في رمضان عام 1416 هجرية في عملية ( كزلار ) الشهيرة في داغستان مع القائد سلمان روداييف رحمه لله (الذي قتل في السجن في روسيا بعد أسره ) وقتل معه الأخ الفاضل أبو أسامة (زيد الرقيب ) رحمه الله وسآتي لذكر هذه الحادثة في حينها إن شاء الله , فرحمك الله يا أبا الزبير وجمعني وإياك في الفردوس الأعلى في حواصل طير خضر يوم ينادي الله ( أين المتحابين فيّ ) .
سافرت متوجهاً إلى النمسا كي أحصل على فيزه دخول إلى كرواتيا من السفارة الكرواتية هناك وكان بانتظاري أحد الأشخاص حسب التنسيق المسبق وبعد وصولي أخذني هذا الشخص إلى بيته للاستراحة ثم بعدها اتصلت على الشخص الذي ينبغي أن يستقبلني في كرواتيا ويرتب لي الدخول للبوسنة ولكني لم أحده حيث أن تلفونه مغلق وحاولت عدة مرات بلا نتيجة , فقررت الذهاب لأخذ الفيزه الكرواتية على أمل أن يرد الشخص الذي في كرواتيا على هاتفه وبعد أن توجهت للسفارة الكرواتية تقدمت بطلب الفيزا وأثناء انتظاري لإنهاء الإجراءات تعرفت لشخص أماراتي يعمل في أحد المنظمات الإغاثية وتجاذبنا الحديث فعلمت أنه ذاهب إلى كرواتيا ثم للبوسنة فأخبرته أني فقد الاتصال مع الشخص الذي في كرواتيا وأنني محتار هل أنتظر أم أعود من حيث أتيت فعرض علي مرافقته إلى كرواتيا فإن وجدت الشخص الذي أريده هناك وإلا فيمكنني المواصلة معه إلى البوسنة ففرحت بالأمر وشكرته وعلمت أن هذا تيسير من الله , وبعد العصر توجهنا إلى محطة القطار وركبنا متوجهين إلى كرواتيا مروراً على تشيكوسلوفكيا , وفي منتصف الليل كنا وصلنا مدينة (زغرب) عاصمة كرواتيا , أثناء تواجدي في زغرب اتصلت كثيراً على الشخص الذي كان من المفترض أن يستقبلني فتبين لي أنه غير موجود في البلد وأنه عاد لبلاده لظروف طارئة عندها قررت المواصلة مع الشخص الذي جئت معه من النمسا .
بقينا عشرة أيام تقريباً بسبب ظروف عمل الشخص الذي جئت معه وبعدها ركبنا الباص باتجاه مدينة سبلت وبقينا هناك لليلة واحدة وفي اليوم الثاني تحركنا في قافة إغاثية صغيرة باتجاه البوسنة وكنا متخوفين من مرحلة واحدة فقط وهي مرحلة خطيرة جداً وهي بعد أن تتجاوز كرواتيا لندخل البوسنة باتجاه مدينة موستار التاريخية علينا العبور لمنطقة كروات البوسنة وهم في حالة حرب مع البوسنويين وسبق أن قاموا بإيقاف عدد من العرب الذين يعبرون باتجاه البوسنة وقتلهم ولكننا استعنا بالله أولاً وتوكلنا عليه ثم أننا سندخل بصفة موظفي إغاثة , عندما وصلنا الحدود البوسنوية وبالتحديد منطقة كروات البوسنة ( وهم كاثوليك المذهب كما ذكرته في بداية مذكراتي ) أوقفونا وقاموا بإنزال جميع الأغراض التي معنا وسألونا عن سبب مجيئنا فأخبرناهم أننا متوجهون إلى سراييفو للعمل الإغاثي هناك ولم نذكر لهم أننا متوجهون إلى مدينة (زنتسا) وهي المدينة التي فيها مقر المجاهدين العرب لأن ذكر هذه المدينة كفيل باستثارة غضبهم وأنهم قد يشكون أننا من المقاتلين , فبدءوا بتفتيش الأغراض وكان هذا الشيء متوقع منهم ثم بعد نصف ساعة تركونا نعبر بفضل الله , ثم واصلنا مسيرتنا باتجاه موستار ووصلناها بعد ما يقارب الساعة ( مدينة موستار مدينة تاريخية عريقة منذ أيام الدولة العثمانية وبها جسر موستار الشهير عمره أكثر من خمسمائة عام وقد قام الكروات بقصفه بالدبابات وتدميره مع بداية الحرب , والمدينة مقصومة إلى قسمين المدينة القديمة ويسكنها المسلمون والمدينة الحديثة ويسكنها الكروات ) , عبرنا مدينة موستار من داخ الجزء القديم الذي يسكنه المسلمون متوجهين إلى مدينة زنتسا وأثناء طريقنا كنت أشاهد وألاحظ مدى الجمال في الطبيعة الذي تتمتع به البوسنة وكنت أشاهد مدى الدمار الذي ألحقه العرب والكروات في البلد فكنا أحياناً نمر على بعض القرى فتجدها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها أثراً للحياة البشرية وآثار الدمار من القصف والرصاص ظاهرة عليها تنبئ عن مدى الرعب والمأساة والمجازر التي مر بها أهل تلك القرى والهأ المستعان.
أخذ الطريق من موستار إلى زينتسا خمس ساعات تقريباً وطوال هذه الفترة لم أستطع النوم فيها فكل شيء كان يشد انتباهي من جمال الطبيعة إلى الدمار الذي أراه في كل مكان إلى تلك الوجوه الكئيبة والحزينة التي كنت أراها خلال رحلتنا , وكنت خلال هذه الرحلة أستجمع ذاكرتي متذكراً كل مشهد تلفزيوني أو صورة فوتوغرافية للمجازر والقصف والإرهاب الذي كان يمارس بحق مسلمي البوسنة وكنت أفكر أثناء رحلتنا هل يا ترى أمر الآن بإحدى تلك القرى أو المناطق التي في ذاكرتي مما شاهدته في التلفاز , كان يعتريني وقتها حزن وألم فظيع على أهل البوسنة كيف بلغ بهم الحال وهم جزء من أمة المليار مسلم فكيف تناسوهم وكيف خذلوهم وتركوهم لقمة سائغة يتناهشهم الصرب والكروات دون أن يرمش لهم جفن فكل ما قاموا به أن أرسلوا لهم بعض الغذاء وكأن الشعب البوسني دجاج يسمن ويهيأ لمن يذبحونهم من الصرب والكروات , وقد تناسوا ما قام به المعتصم في عموريه عندما صاحت امرأة في عمورية وصاحت (وامعتصماه) وما أن بلغة ذلك النداء حتى جهز جيشاً أوله في عمورية وأخره عنده فجعلها خراباً إلى اليوم وأذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال لأصحابه " تتكاثر عليكم الأمم كما يتكاثر الأكلة على قصعتها قالوا: أومن قلة نحن يا رسول الله , قال : لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل " .
وصلنا إلى مدينة زينتسا وكانت مدينة كبيرة وجميلة والحياة تسير فيها بشكل هادئ فهي من أقل المدن التي أصابها الضرر من جراء الحرب , وفي هذه اللحظات أو بالأصح منذ دخولي إلى البوسنة بدأ يعاودني نفس الشعور الذي كنت أشعر به في أول مرة سافرت فيها إلى الجهاد لا أعرف السبب لكن توطدت العلاقة مع الأيام بيني وبين هذه البلاد فأحببتها كثيراً , قد يكون السبب هو عشقي للجبال الذي بدأ معي في أفغانستان حيث أن البوسنة كثيرة الجبال وكل المعارك التي خضناها فيها كانت في الجبال وقد يكون السبب فرحتي لما وفقني الله به من القيام بهذه الفريضة وتسهيل دخولي للبوسنة من أجل مساعدة أخوانا في البوسنة .
بعد وصولنا إلى مدينة زينتسا وكما أشرت سابقاً فيها مقر قيادة المجاهدين العرب عندها توجهنا بالسيارة إلى مقر (كتيبة المجاهدين العرب) حيث أنني أخبرت الشخص أنني أرغب بالذهاب إلى مقر ( مجموعة الزبير ) ولكنه أخذني إلى هذا المكان لأنه لا يعرف غيره على أمل أن يقوم أفراد الكتيبة بإيصالي إلى مجموعة الزبير , وبعد أن وصلنا إلى مقر الكتيبة الذي كان على مرتفع جبلي ليس بالعالي جداً ويطل على جزء من المدينة من الأعلى فكان منظراً جميلاً ورائعاً وهذا المقر بالأصل هو مقر سابق لقوات الجيش اليوغسلافي , بعد الوصول أخبرنا الإخوة أنني جئت قاصداً مجموعة الزبير وأنني أرغب منهم أن يوصلوني إلى هناك لأننا لا نعرف المكان , وبعد ساعة من الزمن نقلوني إلى مقر الزبير عندها ودعني هذا الشخص الإماراتي على أمل أن نلتقي مرة أخرى حيث رفض أن يغادر حتى يطمأن أني سأصل للوجهة التي أريد , وكان مقر مضافة الزبير القديمة قريب من مستشفى زينتسا وكانت الفترة شتاءً والثلوج تملأ الأرض في كل مكان فكان منظر المدينة جميلاً خلاباً رائعاً خصوصاً لمن جاء من أجواء الدول العربية التي نفتقد فيها مثل هذه المناظر الجميلة , بعد أن وصلنا إلى البيت استقبلني الإخوة بكل ترحاب وسألني مسئول المضافة من طرف من جئت فأخبرته بالشخص الذي أرسلني أو ساعدني بالحضور ثم سألني إن كنت متدرباً على استخدام السلاح فأخبرته أني كنت في أفغانستان للتدريب ومن ثم قاتلت في طاجيكستان عندها أخبرني أنني لا أحتاج الذهاب للتدريب وأن علي الانتظار حتى يهيئ ذهابي إلى مدينة (ترافنيك) .
كانت المضافة تعج بالشباب منهم الجديد ومنهم من له فترة في البوسنة وبدأت بالتعرف عليهم والحديث عن الأوضاع هناك وفهمت حينها أن مجموعة الزبير الحائلي مقسمه على ثلاث مناطق مجموعة في منطقة (جزنبولي) ومجموعة في مدينة ( ترافنيك) ومجموعة في مدينة (توزلا) وكل مجموعة تمارس عملها العسكري في منطقة تواجدها وذلك كله بالتنسيق والمشاركة مع الجيش البوسنوي الذي في المنطقة وفي حالات يتم الاشتراك من كل المجموعات في عملية عسكرية مشتركة حسب الحاجة في المنطقة التي يتم فيها العمل العسكري , عندما حدثني الشباب عن هذا الأمر دار في خلدي سؤال عن سبب وجود مجموعتين مقاتلتين في البوسنة خصوصاً بعد التجربة المرّة التي مرت بها أفغانستان جراء وجود أكثر من فصيل مقاتل وعدم توحد الفصائل تحت راية واحدة ونتج عن ذلك من أضرار أصابت الأمة في مقتل تعاني منها حتى الآن , الشيء الذي أخبرني به الأخ وشارك بعض الحاضرين برأيهم فيه حول هذا الموضوع ترددت وفكرت في المصلحة من عدمها في ذكره ولكني وجدت أن هذه المشكلة كانت تفرض نفسها في أكثر من موطن من مواطن الجهاد وكنت لا ألقي لها بالاً لأنني هاجرت من أجل الجهاد وليس لأشغل نفسي بترهات لا تعنيني أو ليست من أولويات اهتمامي ولكن غض الطرف عن هذا الموضوع من الإخوة ولد له تراكمات وزرع التشققات في الصف الجهادي وإن لم يكن ذلك ظاهراً للعيان ( وسآتي في ذكر بعض ذلك في مرحلة طالبان ) .
طبعاً ما كنت أقصده بسؤالي الأخ عن الجماعات في البوسنة وهو وجود " كتيبة المجاهدين العرب " و " مجموعة الزبير " ولماذا ليست مجموعة واحدة فكانت إجابة الأخ أنه لم يكن في البوسنة سوى مجموعة واحدة فقط وهو ما حرص عليه الجميع على اختلاف الآراء ووجهات النظر لكن وحدت الصف والكلمة وعدم تكرار ما حصل في أفغانستان مسألة فوق كل اعتبار لدى الجميع , وبدأت الكتيبة في عملها وكانت في مكونها البشري خليط من جميع الأجناس العربية والعجمية والأبيض والأسود بل كان بها خليط من أفراد الجماعات المسلحة الجهادية المختلفة الذين جاؤوا استجابت لأمر الله ولكن مع الوقت لاحظ أهل البصيرة والفراسة بعض التغييرات الغريبة وتوزيع المواقع القيادية في بعض الأحيان على أشخاص ليس لهم سابقة جهادية أو خبرة وإبعاد آخرين مؤهلين لمناصبهم , وبعد البحث والتدقيق وُجد أن العامل المشترك بين القياديين الجدد أنهم جميعاً ينتمون إلى ( جماعة الجهاد المصرية ) واتضح جلياً أن المسألة هي محاولة سيطرت هذه الجماعة على إدارة الكتيبة وكانوا في تلك الفترة قد أصبحوا في مراحل متقدمة في هذا الشيء فحاول بعض الشباب القداما في الجهاد والعقلاء حل هذا الأمر ووقف هذا التصرف وإعادة تشكيل قيادة الكتيبة من جديد ولكن المسيطرون على الكتيبة رفضوا هذا الشيء بشدة عندها قرر الكثير من شباب الخليج واليمن وبعض الشباب من الدول الأخرى الخروج من الكتيبة وتأسيس مجموعة جديدة سميت على اسم مؤسسها أبو الزبير الحائلي .
أود أن أذكر هنا أنه حتى بعد الانقسام الذي حصل ظل الإخوة في المجموعتين يحتفظون بعلاقات جيدة مع بعضهم على مستوى القيادة فبعضهم على معرفة قديمة منذ أيام الجهاد الأفغاني أما على مستوى المقاتلين في المجموعتين فعلاقتهم أخوية في أعلى مستوياتها وهذا ما أثبتته الأيام من المشاركة الجماعية في أكبر عمليات البوسنة مثل " الفتح المبين" و " الكرامة " و " بدر البوسنة " التي كنا نتشارك مع بعضنا بقيادة عسكرية مشتركة في إدارة تلك العمليات وتجلت فيها معاني الأخوة والمحبة والتجاوز عن حضوض النفس أثناء سير المعارك .
وبعد يومين من الانتظار توجهت بي السيارة إلى مدينة ترافنيك وكان الطريق من زينتسا إلى ترافنيك في غاية الروعة والجمال في الطبية حيث الأرض خضراء والجبال عبارة عن غابات كثيفة مغطاة بالثلوج ومن يتأمل النظر إلى تلك الأراضي سيتبادر إلى ذهنه سؤال واحد وهو إذا كانت هذه الطبيعة وجمالها في الأرض فيا ترى كيف ستكون جنة الخلد وما فيها , عندها سيأتيه الجواب متبادراً إلى ذهنه ( فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) , اللهم ارزقنا جنة الخلد واجعلنا في عليين مع الأنبياء والصدقين والشهداء , بعد قرابة الساعتين وصلنا إلى مدينة ترافنيك ولم يكن البيت في المدينة وإنما كان خارج المدينة في أحد القرى وتدعى (زافدوفتش ) إن لم تكن اختلطت على الأسماء أو خانتني الذاكرة , وكانت القرية تقع في وادي عرضه ثلاثمائة متر تقريباً بين سلسة جبال وتمتد القرية من منتصف الوادي صعوداً إلى أحد الجبال وكان البيت الذي للإخوة في الجبل المقابل للقرية لوحده بشكل منفرد في الجبل مما زاد من جمال المنزل .
وللحديث بقية