عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 02-04-2010, 02:49 PM
(( الفراء )) (( الفراء )) غير متواجد حالياً
 عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2009
الدولة: بحبوحة الادب والمعرفة
المشاركات: 1,059

لازلنا نواصل مسلسل ((الكنوز الثمينة ))















الدواء الرابع

ايها الـمريض الشاكي! اعلم انه ليس لك حق في الشكوى، بل عليك الشكر، عليك الصبر؛ لان وجودك واعضاءك واجهزتك ليست بـملكك انت، فانت لـم تصنعها بنفسك، وانت لـم تبتعها من اية شركة او مصنع ابتياعاً، فهي اذن ملكٌ لآخر. ومالك تلك الاشياء يتصرف في ملكه كيف يشاء، كما ورد ذلك في مثال في ((الكلمة السادسة والعشرين الـخاصة بالقَدَر)) وهو:

أن صانعاً ثرياً ماهراً بكلـّف رجلاً فقيراً لقاء اجرة معينة ليقوم له لـمدة ساعة بدور ((الـموديل)) الـنموذج. فلاجل اظهار صنعته الـجميلة وثروته القيمة يُلبسه القميص الـمزركش الذي حاكه، والـحلة القشيبة الـمرصعة التي نسجها في غاية الـجمال والصنعة، وينجز عليه اعمالاً ويظهر اوضاعاً واشكالاً شتى لبيان خوارق صنعته وبدائع مهارته، فيقصّ ويبدل، ويطوّل، ويقصر، وهكذا..

فيا تُرى أيـحق لذلك الفقير الاجير ان يقول لذلك الصانع الـماهر: ((انك تتعبني وترهقني وتضيـّق عليّ بطلبك مني الانـحناء مرة والاعتدال اخرى.. وانك تشوّه الـجمال الـمتألق على هذا القميص الذي يـجمـّل هندامي ويزيـّن قامتي بقصـّك وتقصيرك له.. إنك تظلمني ولا تنصفني؟)).

وكذلك الـحال بالنسبة للصانع الـجليل سبحانه وتعالى – ولله الـمثل الاعلى – الذي البسك ايها الـمريض قميص الـجسد، واودع فيه الـحواس النورانية الـمرصعة كالعين والاذن والعقل، فلأجل اظهار نقوش اسـمائه الـحسنى، يبدّلك ضمن حالات متنوعة ويضعك في اوضاع مـختلفة. فكما انك تتعرف على اسـمه ((الرزاق)) بتجرعك مرارة الـجوع، تتعرف على اسـمه ((الشافي)) بـمرضك.

ونظراً لظهور قسم من احكام اسـمائه الـحسنى بالآلام وانكشافه بالـمصائب، ففيها لـمعات الـحكمة وشعاعات الرحـمة وأنوار الـجمال. فاذا ما رُفع الـحجاب فستجد فيما وراء مرضك الذي تستوحش منه وتنفر، معاني عميقة جـميلة مـحببة ترتاح اليها، تلك التي كانت تنزوي خلف حـجاب الـمرض.





الدواء الـخامس

ايها الـمبتلى بالـمرض! لقد توافرت لديّ القناعة التامة خلال تـجربتي في هذا الزمان، بان الـمرض نوع من الاحسان الإلـهي والـهدية الرحـمانية لقسم من الناس(1). فقد التقاني بعضُ الشباب في هذه السنوات الثـماني او التسع، لـمعاناتهم الـمرض، ابتغاء دعاء لـهم، رغم اني لست اهلاً لذلك. فلاحظت أن مَن كان منهم يعاني مرضاً هو اكثر تفكراً في الآخرة وتذكراً لـها، وليس ثملاً بغفلة الشباب، بل كان يقي نفسه – الى حدّ ما – تـحت اوجاع الـمرض وأوصابه ويـحافظ عليها من الشهوات الـحيوانية. وكنت اذكـّرهم بأني ارى أن أمراضهم هذه، ضمن قابليتهم على الـحمـّل انـما هي احسان إلـهي وهبة منه سبحانه. وكنت اقول: ((يااخي ! انا لست ضد مرضك هذا ولاعليه، فلا اشعر بشفقة عليك ورأفة لاجل مرضك، كي اقوم بالدعاء لك، فـحاول التجمل بالصبر والثبات امام هذا الـمرض، حتى تتحقق لك الافاقة والصحوة؛ إذ بعد أن ينهي الـمرض مهامه سيشفيك الـخالق الرحيم ان شاء)). وكنت اقول ايضاً: (( ان قسماً من امثالك يزعزعون حياتهم الابدية بل يهدمونها مقابل متاع ظاهري لساعة من حياة دنيوية، وذلك لـمضيـّهم سادرين في الغفلة الناشئة من بلاء الصحة، هاجرين الصلاة ناسين الـموت وغافلين عن الله عز وجل. اما انت فترى بعين الـمرض القبرَ الذي هو منزلك الذي لا مناص من الذهاب اليه، وترى كذلك ما وراءه من الـمنازل الاخروية الاخرى، ومن ثـم تتحرك وتتصرف على وفق ذلك. فمرضك اذاً انـما هو بـمثابة صحةٍ لك، والصحة التي يتمتع بها قسم من امثالك انـما هي بـمثابة مرضٍ لـهم)).












الدواء السادس (1)

ايها الـمريض الشاكي من الالـم! أسألك أن تعيد في نفسك ما مضى من عمرك وان تتذكر الايام الهانئة اللذيذة السابقة من ذلك العمر والاوقات العصيبة والاليمة التي فيه.

فلا جرم انك ستنطق لساناً أو قلباً: إما بـ((أوه)) او ((آه)). أي اما ستتنفس الصعداء وتقول: ((الـحمد لله والشكر له)) او ستتنهد عميقاً قائلاً: ((واحسرتاه!. واسفاه!)). فانظر كيف ان الآلام والنوائب التي عانيت منها سابقاً عندما خَطَرتْ بذهنك غمرتك بلذة معنوية، حتى هاج قلبك بـ((الـحمد لله والشكر له))؛ ذلك لان زوال الالـم يولـّد لذة وشعوراً بالفرح. ولان تلك الآلام والـمصائب قد غَرست بزوالـها لذةً كامنة في الروح سالت بتخطرها على البال وخروجها من مكمنها حلاوةً وسروراً وتقطرت حـمداً وشكراً. اما حالات اللذة والصفاء التي قضيتها والتي تنفث عليها الآن دخان الالـم بقولك: ((واأسفاه، واحسرتاه)) فانها بزوالـها غَرست في روحك ألـماً مضمراً دائمياً، وها هو ذا الالـم تتجدّد غصـّاتُه الآن بأقل تفكرٍ في غياب تلك اللذات، فتنهمر دموع الاسف والـحسرة. فما دامت اللذة غير الـمشروعة ليوم واحد تذيق الانسان – احياناً – ألـماً معنوياً طوال سنة كاملة، وان الالـم الناتـج من يوم مرض موقت يوفر لذة معنوية لثواب ايام عدة فضلاً عن اللذة الـمعنوية النابعة من الـخلاص منه، فتذكر جيداً نتيجة الـمرض الـموقت الذي تعانيه وفكـّر في الثواب الـمرجو الـمنتشر في ثناياه، وتشبث بالشكر وترفـّع عن الشكوى وقل: ((ياهذا.. كل حالٍ يزول..)).








الدواء السادس (2)

ايها الاخ الـمضطرب من الـمرض بتذكر اذواق الدنيا ولذائذها! لوكانت هذه الدنيا دائمة فعلاً، ولو انزاح الـموت عن طريقنا فعلاً، ولو انقطعت اعاصير الفراق والزوال عن الهبوب بعد الآن، ولو تفرغ الـمستقبل العاصف بالنوائب عن مواسم الشتاء الـمعنوية، لانـخرطتُ في صفك ولرثيتك باكياً لـحالك. ولكن مادامت الدنيا ستخرجنا منها قائلة: ((هيا اخرجوا..!)) صامـّة اذانها عن صراخنا واستنجادنا. فعلينا نـحن قبل ان تطردنا هي نابذة لنا، ان نهجر عشقها والاخلاد اليها من الآن، بايقاظات الامراض والسعي لاجل التـخلي عن الدنيا قلباً ووجداناً قبل ان تتخلى هي عنـّا.

نعم، ان الـمرض بتذكيره ايانا هذا الـمعنى اللطيف والعميق، يهمس في سرائر قلوبنا قائلاً:

((بنيتك ليست من الصلب والـحديد بل من مواد متباينة مركبة فيك، ملائمة كل التلاؤم للتحلل والتفسخ والتفرق حالاً، دع عنك الغرور وادرك عجزك وتعرّف على مالكك، وافهم ما وظيفتك وتعلـّم ما الـحكمة والغاية من مـجيئك الى الدنيا؟)).

ثم ما دامت ان اذواق الدنيا ولذاتها لاتدوم، وبـخاصة اذا كانت غير مشروعة، بل تبعث في النفس الالـم وتكسبه ذنباً وجريرة، فلا تبك على فقدك ذلك الذوق بـحجة الـمرض، بل تفكـّر في معنى العبادة الـمعنوية التي يتضمنها مرضك والثواب الاخروي الذي يـخفيه لك، واسع لتنال ذلك الذوق الـخالص الزكي.

__________________
7



7



7




إن الذي ملأ اللغات محاسنا // جعل الجمال وسره في الضاد









ســـيرة الفـــــــراء







هل لديك سؤال في الإعراب ( تفضل هنا )









تم الإفتتاح حياكم الله وبياكم

رد مع اقتباس