عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 13-06-2010, 09:09 PM
قصيدة تنتظر شاعرها قصيدة تنتظر شاعرها غير متواجد حالياً
Registered User
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
المشاركات: 340

(3)

مضى على تلك الحادثة ثلاثة أيام،

وجدت نفسي واقفة مع شقيقتيّ و أمي في منتصف الزحام. نحن الآن في المدينة الترفيهية، حيث يعج المكان بأصناف البشر من مختلف الجنسيات والأعمار. المكان يزخر ألواناً عجيبة، الجدران، الألعاب، الأطفال، حتى أوجه النساء تصبغت بشكلٍ مبالغ بالألوان، وكأنهن في حفل عرس!

كان الجو خانقاً، نسير مع بعضنا باحثين عن مكانٍ مناسب حتى عثرنا على طاولةٍ مستطيلة الشكل تستقر حولها أربعة من المقاعد، جلسنا. و لفت انتباهي، منظر امرأةٍ تبدو في الأربعين من عمرها، تتجه صوبنا مسرعة وفي يدها شيء ما.

توقفت أمامنا، وسألتنا بصوتٍ لطيفٍ مهذب أن نشتري لها آيس كريم بنكهة التوت. ضحكت شقيقتاي، في حين امتعضت أمي من ردة فعلهما، و عادت لتتحدث إلى السيدة في جدية عما تريده. كانت السيدة تتحدث إلينا وهي تمسك بورقة نقودٍ من فئة المائة ريال بكلتي يديها بإحكام، و تؤمئ برأسها كثيراً، تلعق شفتيها و توجه بصرها طيلة الوقت نحو يديها.

أدركنا أنها من ذوي الاحتياجات الخاصة، ووجدت أمي تقلب بصرها في وجوه المارة وكأنها تبحث عن ذويها، حتى تطوعت وأخبرت أمي أنني أنا من سيأخذها لعائلتها. رمقتني أمي بنظرة حازمة وهي تحذرني من افتعال المشاكل هنا!

وجدتُ ذراعي تلتف حول خاصرة المرأة وأنا اصحبها معي إلى ركن الايسكريم، كانت تراقبني في فرح بريء و هي تردد بأنني " صديقتها " لأنني " طيبة القلب" و سأشتري لها أي شيء تريده. كنت أضحك معها في ابتهاج لبرائتها و تلقائيتها، حتى توقفت أمام بائعة الايسكريم و اشتريت لها نكهتها المفضلة من حسابي الخاص.

كنت أعلم أنها لن تتخلى عن الورقة النقدية التي في يديها، وأنها ستنتظرني أن أطعمها الايسكريم بنفسي. وجدتها تجلس على الأرض، وبالتحديد على أقرب رصيف، جلست إلى جانبها و أنا أطعمها بالملعقة وفي الوقت ذاته، أحكي لها بصعوبة بالغة عن جرح يدي، لساني لا يزال مجروحاً.

شعرتُ بأحدهم يراقبنا، و كان قلبي يخفق بعنف، إذ خشيتُ أن يظن أحد أفراد عائلتها أني أسخر منها، أو أنني أعاملها بإحسان و شفقة، وهذا ما يرفضه كبرياء الكثيرين من أفراد المجتمع. وكانت المفاجأة، ظهور " مريم " أمامي:
-مالذي تفعلينه؟

تجاهلتها و أنا أعاود اطعام السيدة التي ثبتت عينيها للحظة على ملامح " مريم " الغاضبة، فوجئت بيدي " مريم " تختطف علبة الايسكريم من يدي، وتفرغ محتواها على رأسي قبل أن أتمكن من عمل شيء، أصابتني صعقة " باردة" للحظة وأنا أشهق، في حين بدأت السيدة بالبكاء كالأطفال، و " مريم " تجذب السيدة من ذراعها بحزم حتى غادرتا المكان.

كنت مصعوقة مما حدث، ولم أجد متسعاً من الوقت لكي أفسر أي شيء. وجدت نفسي أغادر المكان وسط سخرية النساء والفتيات، و توجهت إلى دورة المياه لأغسل شعري وكلي خوف و رهبة من ردة فعل أمي.

في تلك الليلة، توقفت أمام أمي وشقيقتي، اللاتي انتابهن صمت يسبق عاصفة غضب لا أحبها من أمي بالتحديد. وسألتني بغضبٍ معربد عما حدث لي ولماذا عدتُ بشعرٍ مبتل. امتنعت عن الحديث، و وجدتها تتوعدني بالعقاب في المنزل. دفعت بالمقعد بعيداً، وكأنها لا تريدني الجلوس معهم أو الاقتراب منهم.

فجلستُ على المقعد و أنا أراقب رأس أمي الذي رغبتُ في تقبيله والاعتذار، كنت أقاوم الدمع و أنا أحاول اقناع نفسي بأنني لم أرتكب خطئاً هذه المرة، وأنني مظلومة. كان الماء يقطر من شعري ويبلل ثيابي، بدأت بالبكاء أخيراً في صمت، أخرجت منديلاً مبتلاً و مسحت وجهي.

فوجئت بيدٍ أخرى عن يميني تمتد لتعطيني منديلاً جديداً. و دون أن أتطلع اليها، أخذت المنديل وجففت وجهي وعيني. ثم سمعت صوتاً هادئاً يعتذر:
-اسفة.
-و أنا أيضاً آسفة، صديقتي.

تطلعت إلى اليمين، ووجدت " مريم " و تلك السيدة، تتحدثان إليّ. كان وجه " مريم " واجماً، تبدو عليه علامات الحزن و الحيرة معاً، في حين بدا لي وجه السيدة مبللاً أيضاً وعينيها حمراوين، علمتُ حينها أنها لم تتوقف عن البكاء إلا الان.

اشارت " مريم " إلى السيدة و بصوتٍ خفيضٍ لكن لا يخلو من القوة و العزة قالت:
-أقدم لكِ " أمي ".

ابتسمت و أجبتها بأنني تشرفت. ثم أشرتُ إلى أمي التي كانت تبعد عني مسافة مترين وتتحدث إلى أحدهم عبر الهاتف النقال، فقالت " مريم " بأنها تعرف، وأنها كانت تراقبني منذ أن غادرتُ دورة المياه لأنها رغبت في الاعتذار بناءً على إلحاح والدتها.

-لم أكن مقتنعة بضرورة الاعتذار حينها، حتى رأيتك و والدتك، و علمتُ أي نوعٍ من الأمهات تملكين. و أدركتُ ضرورة الاعتذار لكِ لأنني كنتُ أفرغ غيظي من أمي في المنزل عليكِ بالمدرسة. و أعتذر لكِ أيضاً، لأنكِ تملكين أماً بكامل قواها العقلية وفي أتم صحة، ولا تجيد التعامل معكِ بإنسانية.

احتضنت " مريم " أمها و هي تستطرد بتأثر:
-أنا اشكركِ لأنكِ ساعدتني في رؤية الكنز الذي لديّ. و أحبه رغم ما فيه من عيوب. على الأقل، هذا الكنز لا يؤذيني ولا يبكيني.

ضحكتُ حتى بكيتُ مجدداً، ثم اتجهت نحو أمي التي كانت منشغلة بالحديث عبر الهاتف، و قبلتُ رأسها وأنا أخاطب " مريم " بصوتٍ عالي:
-أما أنا فأعشق ترابها، وإن كانت تبكيني.
( انتهت)

...

رد مع اقتباس