الحكاية الاولى
اعلم انكم تشاهدونني ، انا اسمي فالح، ابلغ من العمر أربعة وعشرين ربيعاً ، او بالاصح أربعة وعشرين قيظاً ، طبعاً لا بد انكم مستغربين من وضعي الحالي،فكما ترون الان: انا محبوس في مخزن مظلم يقع في طرف بيتنا، حيث لا يضيئه أي مصباح كهربائي، والمصدر الوحيد لاضاءة المخزن هو اشعة الشمس المتسللة من الشق السفلي للباب ، رائحة المخزن خليط من عدة روائح مزعجة ،ابتداءً برائحة غبار البطاطين المكدسة في الغرفة و مروراً برائحة (مشراب) قديم تعتليه طبقة من العفن الاخضر، وانتهاءً برائحة بترولية صادرة عن (دفايات) الشتاء التي تعمل على الديزل والمركونة في احدى زوايا المخزن، مرت علي ثلاثة ايام بلياليها وانا حبيس المخزن ، وكما تشاهدون فانا ممدد على سرير خشبي متهالك، مكتوف اليدين و مقيّد القدمين، وجسمي بكامله مشدود الى السرير بحبال بلاستيكية ملفوفة حول بطني بشدة ،ويحول بيني وبينها قطع كرتونية حتى لا تحز الحبال جلدي.
تأتيني والدتي بالطعام والشراب ثلاث مرات في اليوم عند حلول اوقات الوجبات الثلاث، تدخل بهدوء تام و تضع صينية الاكل على بطني ثم تجلس على طرف السرير و تسقيني كأساً من الماء بالكاد يروي ظمأي ويبلل ريقي، ثم تبدأ بعدها بإطعامي بالملعقة ما يكفي لان يقيم صلبي، تقوم بكل هذا وهي صامتة صمتا مطبقا، اخاطبها ولا ترد علي، اسألها ولا تجيبني، استدر عطفها بالبكاء و العويل والرجاء الحار كي تنطق وتسمعني صوتها ولكن دون جدوى، فهي تدخل بصمت، تؤدي مهمتها بصمت ثم تخرج بصمت مماثل وتغلق باب المخزن خلفها.
وما ان تغلق امي الباب خلفها حتى تخرج الفئران من جحورها وتتسلق قوائم السرير و تبدأ بقرض جسمي، اصرخ بأقصى قوتي حتى تهرب وتبتعد عن جسمي، كان الصراخ يجدي نفعا في الساعات الاولى من حبسي، لكن مع مرور الوقت تعودت الفئران على صراخي ولم تعد تعيره أي اهتمام، فقد طاحت الميانة و رُفع الحرج بينها وبيني، وبعد ان تجرأت الفئران علي حوّلت صراخي من صراخ ترهيب الى صراخ استغاثة بأهل البيت، استمريت بالصراخ لالفت انتباه اهلي، فهأنا اسمع خطوات امي تقترب من المخزن استجابة لندائي، ثم تتوقف فجأة خلف الباب لتبدأ بتلاوة آية الكرسي والمعوذتين وتستمر بترديدها مرة تلو الاخرى.
اصرخ فيها باكيا: يا يمه ما فيني الا العافية، يا يمه الفيران كلتني،تكفين يا يمه افزعي لي
تستمر امي بالقراءة واستمر انا بالصراخ والعويل ، بعد ان يطول وقوفها امام الباب وهي تقرأ الاذكار يحترق قلبها عليّ وهي تستمع لصراخي، فتدخل الغرفة، وما ان تسمع الفئران صوت فتح الباب حتى تتقافز بسرعة من فوق السرير و تأوي الى جحورها المخفية خلف كومة من الحاجيات.
امي(والدموع تترقرق من عينيها وترفع سبابتيها للسماء): حسبي يالله عليش يا ام عمار كانش لعبتي في ولدي.
للحديث بقية...