كان القاضي أبو القاسم التنوخي ظريفـاً نبيلاً جيـّد النادرة. اجتاز يومـاً في بعض الدروب فسمع امرأة تقول لأخرى: كم عـُمر بنتك يا أختي؟ فقالت: رُزقتـُها يوم صفعوا القاضي وضربوه بالسياط. فرفع رأسه إليها وقال: يا امرأة، صار صفعي تاريخـَك، ما وجدتِ تاريخـاً غيره؟! وكان يومـاً نائمـاً وقت الظهيرة، فاجتاز إسكافيّ وأزعجه بصياحه في الطريق: نـُصلح النـِّعال! نصلح النـِّعال! فقال التنوخي لغلامه: اجمع كل نعل في البيت وأعطها لهذا يـُصلحها ويشتغل بها. ثم نام. وأصلحها الإسكافيّ واشتغل بها إلى آخر النهار ومضى لشأنه. فلما كان في اليوم الثاني مرّ بالطريق يصيح ولم يدعه ينام. فقال القاضي لغلامه: أدخله! فلما أدخله قال له: يا ابن الفاعلة، أمس أصلحتَ كلَّ نعلٍ عندنا، واليوم تصيح على بابنا؟ هل بلغك أننا نتصافع بالنعال ونقطعها؟! ثم قال للخدم: اصفعوه على قفاه. فصاح الإسكافي قائلاً: يا سيدي أتوب ولا أعود أدخل إلى هذا الدرب أبدًا!
من كتاب "فوات الوفيات" لابن شاكر الكتبي.