في مدينة جَبْلَة قبرُ الوليّ الصالح الشهيد إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه، وهو الذي نَبَذَ المُلْكَ وانقطع إلى الله تعالى حسبما شُهِرَ ذلك. ولم يكن إبراهيم من بيت مُلْك كما يظنه الناس، إنما ورثَ المُلْكَ عن جدّه أبي أمّه. وأما أبوه أدهم فكان من الفقراء الصالحين السائحين المتعبّدين الوَرِعين المنقطعين. ويُذكَر أن أدهم هذا مرّ ذات يوم ببساتين مدينة بُخارى وتوضّأ من بعض الأنهار التي تتخللها، فإذا بتفاحة يحملها ماء النهر. فقال: "هذه لا خَطَرَ لها". فأكلها. ثم ندم ووقع في خاطره من ذلك وسواس. فعزم على أن يعترف لصاحب البستان وأن يَسْتَحِلّه. فقرع باب البستان فخرجت إليه جارية، فقال لها: ادعي لي صاحب المنزل. فقالت: إنه لامرأة. فقال: استأذني لي عليها. ففعلت، فأخبر المرأة بخبر التفاحة، وطلب عفوها، فقالت له: إن هذا البستان نِصفُه لي ونِصفُه للسلطان. (والسلطان يومئذ بمدينة بَلْخ، وهي مسيرة عشرة من بُخارى). وأحَلَّتْه المرأة من نصف التفاحة. فذهب إلى بلخ، فاعترض السلطان في موكبه وأخبره الخبر واستحلّه، فأمره أن يعودَ إليه في الغد. وكان للسلطان بنت بارعة الجمال، قد خطبها أبناء الملوك فتمنّعت، وحُبِّبتْ إليها العبادة وحُبّ الصالحين، وهي تحبّ أن تتزوج من ورِع زاهد في الدنيا. فلما عاد السلطان إلى منزله أخبر بنتَه بخبر أدهم، وقال: ما رأيتُ أروعَ من هذا، يأتي من بُخارى إلى بلخ لأجل نصف تفّاحة؟ فرغبت في تزوّجه. فلما أتى أدهم من الغد قال له السلطان: لا أحِلُّك إلا أن تتزوج ببنتي. فتمنَّع أولاً ثم قبِل الزواج منها. وحملت منه فولدت إبراهيم رضي الله عنه الذي أسند الملكُ إليه بعد وفاة جدّه.
من كتاب "رحلة ابن بطوطة".