السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قحط الناس في بعض السنين آخر مدة " الناصر " فأمر القاضي منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس ، فصام أياما وتأهّـب واجتمع الخلق في مصلى الربض ، وصعد الناصر في أعلى قصره ليشاهد الجمع ، فأبطأ منذر ، ثم خرج راجلا متخشعا ، وقام ليخطب فلما رأى الحال بكى ونشج وافتتح خطبته بأن قال : سلام عليكم . ثم سكت شبه الحسير ، ولم يكن من عادته ، فنظر الناس بعضهم إلى بعض لا يدرون ما عراه ، ثم اندفع فقال : ( سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ) الآية . استغفروا ربكم وتوبوا إليه وتقربوا بالأعمال الصالحة لَدِيه . فضجّ الناس بالبكاء وجأروا بالدعاء والتضرع ، وخطب فأبلغ فلم ينفضّ القوم حتى نزل غيث عظيم .
واستسقى مرة فقال يهتف بالخلق : ( يا أيها الناس انتم الفقراء إلى الله ) الآية . فهيّج الخلق على البكاء .
ويقال : يذكر أن رسول " الناصر " جاءه للاستسقاء .
فقال للرسول : ها أنا سائر فليت شعري ما الذي يصنعه الخليفة في يومنا هذا ؟
فقال : ما رأيته قط اخشع منه في يومه هذا ؛ إنه منفرد بنفسه ، لابس اخشن الثياب ، مفترش التراب ، قد علا نحيبه واعترافه بذنوبه يقول : رب هذه ناصيتي بيدك ، أتُـراك تعذب الرعية وأنت أحكم الحاكمين وأعدلهم ، أنْ يفوتك مني شيء .
فتهلل منذر بن سعيد وقال : يا غلام احمل الممطرة معك ! إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء .
أبعد هذا اليقين يقين ؟
وبعد هذا الظن الحسن بالله ... يخيب ظن ؟
السؤدد