بيني وبينها أيام معتقة كانها خمر في دِنان الزمن، فإذا ما قدّر الله لنا ان نجتمع يوماً طارت بلبي نشوة ترمي بي الى عالم ساكن ناضر ناعم النسمات فأفارق بها عالماً صاخباً محترقاً لافح الرياح عاصف الاعاصير. واجتماعنا هو إحدى الاماني التي يقول في مثلها الشاعر:
أماني من سعدى رِواءٌ كَأنما= سقتك بها سعدى على ظمأٍ بُردا
وإذا اجتمعنا وتنهدت بيننا الاحاديث فربما فاجأتني بالسؤال لا أتوقعه فيردني سؤالها الى نفسي ردًّا عنيفاً لا املك معه الا أن أديم طرفي الى هذا الوجه الذي يخفي وراءه نفساً ثائرة ، ولكنها ساكنة على ثورتها سكون الجبال الراسيات.
ولست أدري أتلك إحدى لطائف الحيل التي تحب أن توقظني بها من غفوة الاحلام ، أم تلك يقظة دائمة في نفس لا تطيق إلا أن تكون متيقظة حين يدعوها الهوى إلى إغفاءة تريحها من ثورة نفسها واضطرابها ؟ واي ذلك كان فهي قد أخذتني أخذا شديداً حين استوت في جلستها وقالت: حدثني لمن تكتب هذا الذي تكتبه؟ إنهم جميعاً نيام يغطون فلو قذفتهم بالشهب أو الصواعق لناموا على وقعها او إحراقها.
فلما أفقت على سؤالها جعلت أردده في نفسي وأنا أملأ عيني من صفاء هذه الينابيع التي تترقرق في وجهها وفي عينيها.
واخيرا قلت لها : لن أجيبك الا حيث تقرأين كلامي ودعينا لما بنا فإن لقاءنا ساعةٌ فرت إلينا من هذا الفراق السرمدي.
لمن أكتب؟ لم أحاول قط أن أعرف لمن أكتب ؟ ولم أكتب ؟ ولكني أحس الآن من سر قلبي أني إنما كنت أكتب ولا أزال أكتب لانسان من الناس لا أدري من هو ولا أين هو : أهو حي فيسمعني أم جنينٌ لم يولد بعد سوف يُقدَّر له أن يقرأني؟ ولست على يقين من شيء الا أن الذي أدعو إليه سوف يتحقق يوما من الايام.
ابوحمد الشامري
__________________
[color=0000FF][b][font=Times New Roman][align=center]
سَيَذْكُرُنـي قَوْمي إذا جَدّ جدّهُـمْ=وفِي اللَّيْلَةِ الظَلْمَـاءِ يُفْتَقَـدُ البَـدْرُ
وَلَوْ سَدّ غَيرِي ما سددتُ اكتفَوْا بـهِ=وَما كانَ يَغلو التّبـرُ لَوْ نَفَقَ الصُّفْـرُ
وَنَحْنُ أُنَـاسٌ ، لا تَوَسُّـطَ عِنْدَنَـا=لَنَا الصّدرُ ، دُونَ العالَمينَ ، أو القَبرُ
تَهُـونُ عَلَيْنَا فِي المَعَالـي نُفُوسُنَـا=وَمَنْ يخَطَبَ الحَسناءَ لَمْ يُغلِها المَهـرُ
أعَزُّ بَني الدّنْيَا وَأعْلَـى ذَوِي العُـلا=وَأكرَمُ مَن فَوقَ التـرَابِ وَلا فَخـْرُ