كان ابن بابشاذ في مصر إمام عصره في علم النحو. وكانت وظيفته أن ديوان الإنشاء لا يخرج منه كتاب حتى يُعرض عليه ويتأمله، فإن كان فيه خطأ من جهة النحو أو اللغة أصلحه. وكان له على هذه الوظيفة راتب من الخزانة يتناوله في كل شهر. ويُحكى أنه كان يومًا في سطح جامع مصر وهو يأكل شيئًا وعنده ناس. فحضرهم قط فرموا له لقمة، فأخذها في فيه وغاب عنهم ثم عاد إليهم. فرموا له شيئًا آخر، ففر كذلك، وتردّد مرارًا كثيرة وهم يرمون له وهو يأخذه ويغيب به ثم يعود من فَوْرِه حتى عجبوا منه، وعلموا أن مثل هذا الطعام لا يأكله وحده لكثرته. فلما استرابوا حاله، تبعوه، فوجدوه، يَرْقَى إلى حائط في سطح الجامع، ثم ينزل إلى موضع خالٍ وفيه قط أعمى، وكل ما يأخذه من الطعام يحمله إلى ذلك القط ويضعه بين يديه، وهو يأكله. فعجبوا من تلك الحال، فقال ابن بابشاذ: إذا كان هذا حيوانًا قد سخّر الله له هذا القط ليقوم بكفايته، ولم يحرمه الرزق، فكيف يُضيِّع مثلي؟ ثم استعفى الشيخ من الخدمة ونزل عن راتبه.
من كتاب "وفيات الأعيان" لابن خلكان.