اتصل بنا البحث up a3ln usercp home
 


العودة   ::. مـنتدى قبيلـة العجمـان .:: > الـمنتديات الادبيــــــة > :: مـنتدى القـــصص والروايـــات ::

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #11  
قديم 04-08-2010, 11:09 PM
ابو مسلم العجمي ابو مسلم العجمي غير متواجد حالياً
Banned
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: جزيرة العرب
المشاركات: 72

حياك الله اخوي سالم العاصي .



بسم الله الرحمن الرحيم


( الحلقة السادسة )


بعد الوصول إلى مقر الشباب في ترافنيك استقبلونا ورحبوا بنا وبعد التعارف أخذني أحدهم إلى غرف نوم الشباب واخترت لنفسي مكاناً دائماً لي في إحدى الغرف , ثم بعد أن رتبت أغراضي عدت إلى صالة الجلوس حيث يجتمع الإخوة عادة , فكان من الشيء الجميل الذي رأيته أني التقيت ببعض الشباب الذين تعرفت عليهم في بيت الشهداء فكان لقاءً جميلاً بيننا , وهذا الشيء ساعدني كثيراً لاختصار الوقت في التأقلم مع الموجودين في البيت والتعرف عليهم وأيضاً في التأقلم مع الواقع الجديد الذي سأعيشه , فبدأ هؤلاء الشباب يخبرونني عن الوضع عموماً وينبهونني لبعض الإرشادات التي علي الانتباه لها حول نظام البيت والنظام عموماً , وشاركنا في هذه الجلسة الجميلة أمير المجموعة في ترافنيك مما زاد من علاقة القرب بيننا وبينه , ومن الأشياء الجميلة التي اكتشفناها هناك وجود معسكر للتدريب تابع للمجموعة ويقع على بعد عشر دقائق بالسيارة تقريباً في مقر للجيش البوسني حيث أن لديهم هناك أشبه ما يكون بالقاعة الكبيرة المبنية من الخشب تماماً وبها أسره نظام الطابقين , وهي تتسع لأربعين شخص تقريباً , وفي المعسكر أيضاً ميدان الرماية وكل مستلزمات التدريب , أخذت الأيام تمضي وأنا أتأقلم مع المكان ومع الإخوة في البيت وكنا أحياناً نخرج لصيد الأرانب البرية الموجودة في الجبل الذي عليه البيت ولكن لم يحالفنا الحظ يوماً لأن الأرانب كانت سريعة جداً وبلون الثلج , وكنا نأخذ المسألة للمرح أكثر منها جدية في الصيد , وأحياناً أخرى كنا نتزحلق من أطراف الغابة باتجاه البيت على الثلج لمسافة 150 متراً وأتذكر هنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم أن الجهاد يذهب الهم والغم وهذا ما كنا نراه ونعيشه واقعاً في حياتنا هناك .
دخل علينا شهر رمضان فزاد من روحانية ورعة الأجواء وأتذكر كيف كان الشباب يتسابقون ويحلف بعضهم على بعض أن يقوم هو بالخدمة في الطبخ لإعداد الوجبات وفي النظافة للمطبخ وكامل مرافق البيت كلٌ يبحث عن الأجر في هذه الأيام الفضيلة زيادة على ما أكرمه الله بالنفير إلى أرض الجهاد , مضت أيام رمضان سريعة وقد امتلأت القلوب بالإيمانيات والروحانيات قضاها الشباب ما بين الدروس الشرعية وقراءة القرآن يساعد بعضهم بعضاً على قيام الليل ويرفع بعضهم همة بعض للتزود بالطاعات واستغلال أيام رمضان .
في يوم الخامس والعشرين من رمضان جاءنا الأمر بالاستعداد لعملية عسكرية قادمة خلال يومين فو الله لقد رأيت الشباب جفا النوم أعينهم من القيام وجفت ألسنتهم من قراءة القران فترة الصيام يسبق بعضهم بعضاً ويتوسل بعضهم إلى بعض في أن تترك له خدمة الإخوة على أن الخدمة مقسمه بشكل يومي على عدد معين من الأشخاص ولكن كلٌ يتسابق ويتودد إلى أخيه أن يعطيه وقته من الخدمة ليقوم به نيابة عنه , وأذكر هنا ذلك الرجل العجيب وأخي الحبيب أبو دجانة الشرقي ( مشعل القحطاني ) رحمه الله فقد كان إمامنا في الصلاة , رجل من أكثر الذين رأيتهم في الزهد والعبادة قوي البنية شديد البأس لكنك تراه مع إخوانه لطيفاً رقيقاً متواضعاً متذللاً وقد انطبق عليه قوله سبحانه ( أذلة على المؤمنين ) حيث حكى لي أحد الإخوة عنه من الذين كانوا معه في نفس الغرفة أنه كان يبكي بكاءً شديداً أثناء قيامه في الليل ويدعو الله أن يرزقه الشهادة في هذه العملية بطلقة تصيبه في نحره مقبلاً غير مدبر , وفي الليلة التي قبل العملية صلى بنا قيام الليل جماعةً فو الله لقد أبكانا تلك الليلة في تلك الصلاة بكاءً شديداً من كثرة دعاءه لله بطلب النصر وسؤاله الشهادة إلحاحاً فطر قلوبنا في الصلاة , وفي اليوم التالي توجهنا بعض العصر وكان يوم السادس والعشرين من رمضان إلى مقر التجمع مع الجيش البوسني , وبعد صلاة المغرب وقد استعد الجميع بكامل أسلحتهم وعتادهم وتوجهنا إلى مكان تنفيذ العملية أن نلتقي من خلف خطوط العدو وهم الصرب ونباغتهم بالهجوم وكانت هذه العملية على جبل يدعى ( فلاشش ) وهو أكبر جبل في البوسنة , فانطلقت المسيرة فكنت أسير ومعي أخي الحبيب سواد المدني رحمه الله ( الذي قتل في أفغانستان فيما بعد أثناء الهجوم الأمريكي على طالبان ) حيث كنت أنا وهو نتناوب على حمل الحقيبة المليئة بالذخيرة , وكان الطريق لمقر العملية كله صعوداً وكان الطريق مغطى بالثلج أحياناً إلى منتصف الساق وأحياناً أخرى فوق ذلك , وكان تحركنا في الساعة السادسة وبعد ساعات من المشي اضطررنا للتوقف والاستراحة على الثلج لأننا وصلنا إلى مرحلة أصبح الجبل فيها قائماً مثل العمود ولا يمكن عبوره إلا بالتسلق بالحبال , فكان يربطون المقاتلين واحداً واحدا ويسحبونهم إلى الأعلى وكنا قرابة ال300 شخص , أما العرب فكانوا قرابة 25 شخص , وأثناء الانتظار حتى يأتي دوري لتسلق الجبل كان يمر من أمامي بعض القذائف والعتاد العسكري المتزحلقة إلى أسفل الجبل على الثلج ممن تعب أصحابها من حملها في هذا الجو والطريق الصعب فاضطروا لإلقائها ليخففوا من حملهم وكان معي لحظات انتظاري أخي الحبيب أبو حسن المدني رحمه الله ( قتل فيما بعد في عملية أخرى ) , وبعد أن اكتمل رفع جميع المقاتلين إلى أعلى الجبل , واصلنا المسيرة وعندما حان وقت الفجر صلينا بشكل منفرد , وأعطى الأمير أمره للجميع بالإفطار ذلك اليوم بسبب ما عاناه الشباب من إرهاق ولأن الوقت الذي ستستمر فيه المعركة غير معروف لكن أبو دجانة الشرقي أصر أن يبقى على صومه فسمه له الأمير تقديراً له كونه كان شخصية محبوبة ومحترمه من الجميع .
عند الساعة السابعة صباحاً وبعد أن أشرقت الشمس كنا قد وصلنا إلى خنادق العدو ولكن فجأة بدأ إطلاق الرصاص على إحدى المجموعات حيث كشفها العدو عندما بدأت المعركة , وهنا أقول مسألة أقسم عليها قد أجمع من حظر تلك المعركة من الإخوة بذلك وهو أنه عند بدء المعركة لم يعد أحد من الشباب يشعر بأي إرهاق أو تعب أو برد علماً أننا ظللنا في مسيرتنا ثلاثة عشر ساعة وكنا على قمة أعلى الجبل في البوسنة وفي فصل الشتاء والأرض مفروشة بالثلوج , بعد بدء المعركة انطلق الشباب بتكبيرهم كالأسود يسابقون طلقات رشاشاتهم إلى صدور الصرب وانقضوا على الخنادق من كل صوب ,فجن جنون الجنود الصرب وأخذوا يركضون فارين لا يدرون إلى أين فحيث ما اتجهوا واجههم الشباب يمعنون فيهم قتلاً وأسراً ولم يمضي من الوقت نصف ساعة على الأغلب حتى كان الشباب سيطروا على جميع الخنادق تماماً وأخذوا يطهرون المنطقة من أي بقايا للجنود الصرب ممن فروا , وبعد السيطرة الكاملة على المنطقة قام الجيش البوسني بعملية توزيع لأفراده لتأمين المنطقة ريثما تصل قوات الإسناد التي ستتولى التمركز هناك , وعند الظهر جاء الأمر لنا العرب بانتهاء مهمتنا من طرف أميرنا وأمرنا بالانسحاب فعدنا أدراجنا عائدين للبيت سالكين الطريق الرئيسي الذي كان يسيطر عليه الصرب وأصبح في يدنا الآن , وبعد أن هبطنا الجبل وجدنا بعض الإخوة ممن سبقونا ينتظرون وصولنا عند مسجد القرية , وبعد السلام عليهم رأينا في وجوههم الحزن الشديد بل وكان بعضهم يبكي محاولاً تصبير نفسه ولكن دون جدوى , عندها أدركنا أنه هناك من قتل من الإخوة ولكننا لا نعرف العدد وبدون مقدمات سألت أحد الإخوة من الذي قتل ؟ فأشار إلى شخص ممدد على نقالة الجرحى , فذهبنا لنتبين من هو فكانت المفاجأة أن من نال هذا الشرف العظيم وفي هذا الشهر الفضيل وفي يوم السابع والعشرين هو أخي الحبيب ( أبو دجانة الشرقي ) مشعل القحطاني رحمه الله وأسكنه فسيح جناته , لا أعرف كيف أصف تلك اللحظات الرهيبة والصدمة المؤلمة لفقد شخص مثله ولكني مازلت أذكر كيف كانت تقاسيم وجوه الشباب عندما رأوه وأثر الصدمة ظاهراً عليهم , فإذا هم ما بين باكٍ عليه ومترحمٌ ومهنئٌ له بالشهادة ولكن فجأة جاء أحد الإخوة وطلب من الجميع الانتباه ثم رفع لحية أبو دجانة حيث أنه كان كث اللحية ثم أشار إلى نحره حيث مكان الرصاصة التي قتلته , ثم قال لنا ( شوفوا يا إخوان صدق الله فصدقه ) فازداد بكاء من كان يبكي من الإخوة , أما ما سأذكره الآن فإني أقسم بالله على حدوثه وما كنت مضطراً للقسم لولا أن من يشكك في هذه الأمور وسوف ألقى الله على ذلك أنه وأثناء وقوفنا حول جثة أبو دجانة الشرقي أخذنا نشم رائحة عطرية عجيبة لم أشم في حياتي مثلها , فسألنا أحد الإخوة إن كنا نشم الرائحة فقلنا نعم , فسأل إن كان أحدنا يضع عطراً فأجبنا بالنفي لأنه من أين سنكون متعطرين بعد هذه المعركة وكل هذا الوقت , ففتش الأخ في ملابس أبو دجانة لأننا وجدنا أنا الرائحة تخرج منه فما وجدنا شيء عندما وقع الإخوة يده على الجرح في عنق أبو دجانة واشتم الدم وتبين أن الرائحة تخرج من دم أبو دجانة رحمه الله , فقد كان طيباً حياً وميتاً ولقد التقيت أحد الشباب بعد أربعة أشهر من العملية في ( زينتسا ) وأعطاني مصحفاً صغيراً وقال لي شم رائحته فلما شممته كانت رائحته عطرية زكية , فسألته عن نوع العطر فأخبرني أن المصحف كان مع أبو دجانة رحمه الله حين قتل , ثم أراني آثار الدم على المصحف وإن الرائحة هي من دمه وليست عطراً , عندها تذكرت الرائحة فكانت هي نفسها والله على ما أقول شهيد , وفي هذه العملية أصيب أخي الحبيب أبو محمد الكويتي ( مطر المطيري ) رحمه الله وكانت إصابته في قدمه , تم إعدامه في قضية مقتل رافضي في الكويت .
أود هنا أن أتكلم عن جانب مهم وهو الشعب البوسني بين الأمس واليوم عندما كان يرزح تحت ظلم الشيوعية وبطشها وطغيانها وسلخها للمسلمين قسراً من دينهم بشتى وسائل الإكراه على ذلك مما أوصل مسلمي البوسنة إلى حالة مزرية من فقدان الهوية الإسلامية حتى ما عادت لهم بالإسلام صلة إلا من خلال أسمائهم أو ما تبقى من كبار السن ممن مازالوا يعرفون شيئاً عن الإسلام , وبين اليوم وكيف انتشرت الدعوة الإسلامية على منهج السنة النبوية منافسةً البدع الصوفية المتواجدة هناك من بقايا الدولة العثمانية , وكان الشعب البوسني بعد انحلال الدولة اليوغسلافية يحاول لملة نفسه مرة أخرى , حيث انتخب (علي عزة بيكوفيتش ) رئيساً له وأنشئوا دولة البوسنة والهرسك وهي دولة في جملتها سكانها من المسلمين وهذا ما أرعب الدول الأوربية خصوصاً والعالم النصراني عموماً من حيث وجود كيان مسلم في داخل أوربا وهذا جعلهم يتذكرون الدولة العثمانية وخوفاً من عودتها ليس كما كانت عليه من حال فهي لم تعد تخيفهم في ظل تواجد الأجيال الجديدة التي تحمل فكراً إسلامياً لا يقبل الجدل ويسعى بالتعايش معه حسب رأيهم , وكانت الدولة البوسنوية الوليدة بعد دهر طويل من الاضطهاد تحاول استعادة إسلاميتها خصوصاً وإن رئيسها الأول هو من نتاج الإخوان المسلمين ولديه توجه إسلامي ولكنه مشوه بالفكر السياسي المعاصر , فانتشرت المساجد وأعيد فتح ما كان مغلق منها وبدأ الناس الباحثين عن هويتهم الأصلية يتعلمون أو لنقل وجدوا حريتهم في التعرف على دينهم ولكنهم وقعوا أسرى لما خلفته الدولة العثمانية ألا وهو الصوفية , فتمسكوا بها خصوصاً مع الهجوم الصربي الرهيب الذي واجهوه , وهذه هي الطبيعة البشرية في الأزمات حيث يلجئون مباشرة إلا الله من خلال ما يعتقدونه من دين , وبعد مجيء المقاتلين العرب مع العلم أنه كان يوجد غير العرب من ترك وعجم ولكن لكثرة العرب وأغلبيتهم أطلق عليهم هذا الاسم وما جاءوا به معهم من منهج ديني على سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أصبح البوسنيين في حالة ارتباك واضطراب وفي أحياناً قليلة هجوم شرس على هذه الدعوة الجديدة والتي لم يعرفوها قبلاً , ولكن الرعيل الأول من المجاهدين العرب كانوا على الأغلب ممن قاتل في أفغانستان سابقاً ولهم تجربة في مثل هذه المواقف تعتمد مبدأ صحيح في فهم الجهاد وهو لا جهاد بدون دعوة ولا دعوة من دون جهاد , فأنت بحاجة إلى أناس توحد الله وتعبده على بصيرة قبل أن تقاتل وتقتل في سبيله , فانتشرت الدعوة السلفية الصحيحة في أوساط الناس حيث كانت البوسنة في بداية مجيء المجاهدين العرب يصعب أن ترى فيها شخصاً ملتحياً ونادراً أن ترى امرأة ترتدي حجاباً شرعياً عن قناعة شرعية , ولكن بعد سنتين بحمد الله انتشر الحجاب الشرعي عن وعي وقناعة وكثر الشباب الملتزم بالمنهج الشرعي وبدأ الإسلام متمثلاًُ في المنهج النبوي الصحيح ينتشر في المجتمع البوسنوي بعد أن كان الأشخاص دون سن الأربعين قلةً منهم من يعرف الوضوء للصلاة أو حتى كيف يصلي , وهذا كله بفضل الله سبحانه وتعالى تم بفضل الإخوة الذين جاهدوا في البوسنة والذين اعتمدوا تدريس المنهج الشرعي للمقاتلين البوسنيين وأيضاً مارسوا الدعوة إلى الله في كل قرية أو مدينة سكنوا فيها .
إن الحديث عن البوسنة وعن الذكريات هناك قد فتح في قلبي ذكريات جميلة وحزن وشوق لأحبة كنا واريناهم الثرى هناك بعد أن سطروا بطولاتهم هناك ليس بقلمي الذي أكتب به ولكن بدمائهم الزكية الطاهرة وإني لأتوقف أحياناً في صفحات تلك الذكريات فأرى أياماً مباركة ووجوهاً نيرةً باعت أرواحها رخيصة لأجل هذا الدين , زهدوا في الدنيا عندما تشبث بها الناس وشدوا المئزر عندما ارتخى الناس وعزموا على أن لا يعودوا للأهل والأوطان إلا بنصر أو شهادة فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر , ومن الأحداث المؤلمة التي شهدها العالم بكل صمت هي مجزرة مدينة سريبسنتسا التي حدثت في عام 1995 فكانت مثالاً للوحشية والخسة الصربية التي حدثت هناك ومثالاً للحقد والتآمر والكيد بالمسلمين من جانب قوات الأمم المتحدة التي أعانت الصرب على هذه المذبحة البشعة وأعطتهم الضوء الأخضر ليمارسوا في المسلمين هناك ما يشاءوا من قتل واغتصاب وتشريد , وما حصل هو أن مدينة سريبسنتسا تقع داخل منطقة الصرب ومحاطة من جميع الجهات بالقوات الصربية وفي داخل المدينة وعلى أطرافها تتمركز قوات الأمم المتحدة الهولندية لحماية المسلمين كما يدعون كذباً حيث أنه كان هناك هدنة ووقف إطلاق النار , قامت القوات الهولندية بناءً عليه بسحب السلاح من المسلمين ومن القوات الصربية المتمركزة حول المدينة , وفي عام 1995 م في النصف الثاني من السنة قام الجيش الصربي بتأمين نفسه بأسلحة جديدة وبعد أن استعد أعلنت القوات الهولندية أنها لم تعد مسئولة عن حماية المدينة ثم انسحبت من جميع نقاط التمركز والحماية عائدين إلى قاعدتهم العسكرية ومغلقين على أنفسهم الأبواب ومفسحين للقوات الصربية المجال لأن تفعل ما تشاء بالمسلمين في المدينة , وبالفعل دخلت القوات الصربية وبدأت تمارس هوايتها المفضلة وهي ارتكاب المجازر البشرية بأفضل ما يمكن والاختصار والاعتقالات , وفي تلك الفترة جاءنا الخبر من الإخوة المتمركزين في مدينة توزلا أنهم بحاجة إلى عدد من المقاتلين العرب لأجل القيام بعملية عسكرية تتعلق بأحداث سربرنتسا فتوجهت أنا وبعض الإخوة إلى هناك وكانت طبيعة العملية العسكرية هي أن نقوم بهجمات عسكرية متفرقة في أماكن معينه لنشغل القوات الصربية فيها حتى يتمكن المسلمين الفارون من مدينة سربرنتسا من الوصول إلى مناطق المسلمين من طرق أخرى , وبالفعل قمنا بعدة عمليات أشغلنا الصرب فيها وجعلناهم يجتمعون في أماكن معينه حتى تيسر بحمد الله وصول المجموعة الفارة من سربرنتسا كنت من الذين استقبلوا الناس الهاربين وكان أغلبهم من أفراد الجيش البوسني الذي لم يجدوا سلاحاً يدافعون به فاضطروا للهرب بعد أن أخذوا معهم ما استطاعوا من الناس وقد صعقت عندما علمت منهم أنهم منذ عشرة أيام وهم يسيرون في الغابات هروباً من الصرب الذي بدئوا يطاردونهم ويقصفون بالمدفعية كل مكان يتوقعونهم فيه حتى مات بعض الأطفال وكبار السن جوعاً في الطريق حين لم يجدوا ما يأكلون سوى أوراق الشجر التي يطبخونها في الماء ويأكلونها فمات بعضهم من التسمم وتقرحت أفواه البقية ومرض آخرين من ذلك ومات آخرين من جراء الإصابات من رصاص الصرب أو من القصف فلم يجدوا ما يداووا به جراحهم حتى ماتوا , وقد تركوا بعض الجثث ملقيه في الغابات دون دفن في حين أصر البعض على حمل جثة قريبه أو صديقه إلى بر الأمان ليدفنه إكراماً لذكراه ومحبته , وقد رأيت شريط فيديو مع أحد الفارين حين أخذ يصور كل ما يدور من أحداث منذ دخول القوات الصربية وقتلهم للناس في الشوارع بطريقة هستيرية بهيمية وأيضاً أثناء هروبهم في الغابات وصور بعض ممن ماتوا من أطفال وغيرهم بعد أن قرروا تركهم وكان التصوير كارثة في توثيقه لهذه الأحداث وعاراً على هذا العالم المتحضر الذي يتشدقون فيه , وإني والله لعلى يقين أنه لن يصبر على مشاهدة ذاك الفلم المصور حتى أصحاب القلوب القاسية لما فيه من قسوة وفاجعة .
كانت السنة الأخيرة في البوسنة قبل عقد اتفاقية داتون هي سنة الفتوحات حيث من الله على المجاهدين هناك بالنصر في عدة معارك وكان العرب فيها هم الرقم الصعب وهم الحسم في كل معركة وكانت هناك ثلاثة معارك كبيرة وشبه متتالية تفرق بينها فترات زمنية قليلة وهي معركة ( الفتح المبين ) ثم ( الكرامة) ثم ( بدر البوسنة ) وكان هناك غيرها من المعارك التي حدثت في ترافنيك أو جزنبلي أو كوزلا , ولكنها كانت خاصة بمجموعة الزبير , وهنا أذكر بإيجاز العمليات الكبيرة المشتركة بين كتيبة المجاهدين العرب ومجموعة الزبير وهي عمليات مصورة بنفس اسم المعارك وليعلم كل من شاهد تلك المعارك و تولّد دليه أحاسيس ومشاعر حولها , إنني لا أعرف كيف أصفها أو أتكلم عنها فأنا لست صاحب قلم معبر ولكن في داخلي من الحنين والشعور بها ما لا يملكه أي من يحاول وصفها فإلا الله المرتجى أن لا يحرمنا أجرها وأن يجمعنا بأحبتنا الذين فقدناهم فيها .
( الفتح المبين )
كانت هذه العملية هي بداية عمليات النصر في البوسنة وكانت أيضاً بداية الهزيمة للصرب في مناطق المسلمين وكانت كتيبة المجاهدين العرب هم من قام بإعداد العملية العسكرية وتجهيزها ومن ثم تنفيذها مع الجيش البوسني في حين أن دور مجموعة الزبير كان استلام الخنادق المسيطر عليها من الإخوة في الكتيبة وتثبتها حتى يتم تأمينها تماماً ويستلمها الجيش البوسني بالكامل وقد أبلى الإخوة في بالكتيبة في تلك المعركة بلاءً حسناً وسيطروا على المراكز المخطط لها بسرعة كبيرة ولكنهم في تلك المعركة خسروا بل خسرت الأمة بأسرها رجلاً بألف رجل وهو أبو عبد الله الليبي رحمه الله رحمةً واسعة فقد كان رجلاً شجاعاً مقداماً وكأنه ولد ولم يولد الخوف معه فقد كان يذهب للترصد لخنادق الصرب قبل العمليات ويتسلل إلى داخلها لمعرفة عدد الموجودين فيها وكان لهذا التصرف يجعل أشجع الشباب في حيرة من شجاعته فرحمه الله من بطل همام .
( معركة الكرامة )
وهذه المعركة كانت الخطوة التالية في سلسلة الفتوحات في تلك الفترة وأدرك الصرب على إثر هذه المعركة أن المسألة لم تكن في معركة الفتح المبين مجرد انتصار مما زاد في توترهم وهبوط عزيمتهم وبث الرعب في قلوبهم وعلموا أن القادمين لهم طلاب موت وليسوا طلاب حياة , وكنت في هذه المعركة ضمن إحدى مجموعات الاقتحام التي اختيرت لاقتحام الخنادق الأمامية للصرب , وأذكر في الاستعدادات لهذه المعركة كيف زادت معرفتي بأخي الحبيب أبو معاذ الكويتي رحمه الله من خلال مراحل الإعداد والتجهيز للمعركة فقد كان هو المشرف على مجموعات الاقتحام وكنت أنا أميراً لأحد تلك المجموعات فكنت أجده رجلاً فذاً في عسكريته محباً لإخوانه دائماً ما تدور إستراتيجيته في الاقتحام إلى ضمان سلامة الإخوة أولاً ثم ضمان نجاح عملية الاقتحام وهذا الرجل لا يسعني في هذا المقام إعطائه حقه من الوصف والثناء فهو أكبر من ذلك بكثير , وأذكر لحظات مقتله بعد أن تم اقتحامنا للخنادق الأمامية للصرب بنجاح ثم توجهنا للقرى الخلفية التي كانت تعتبر مراكز خلفية للصرب من أجل تمشيطها أمنياً والسيطرة عليها وكان أبو معاذ رحمه الله من أول المتقدمين وأثناء عملية التمشيط وبعد أن تجاوزنا القرية الأولى كان الصرب قتل منهم من قتل وأسر من أسر وفر من فر , وأثناء التمشيط وعندما كان يسير أبو معاذ الكويتي بحثاً عن الفارين كان أحد الجنود الصرب قد ضاق به مكان فأينما اتجه وجد الإخوة يحيطون به فاختبأ خلف شجرة وعندما اقترب أبو معاذ منه خرج الصربي وباغت أبو معاذ بإطلاق الرصاص فكان أن رد عليه أبو معاذ في نفس الوقت فهلك ذلك الصربي مباشرة وأصيب أبو معاذ في أسفل بطنه بعدة طلقات سقط على إثرها يذكر الله مهللاً ومسبحاًَ وفاضت روحه إلى بارئها خلال دقائق خاتماً حياته بذكر الله كما كان دائماً فرحمك الله يا أبا معاذ وأسكنك فسيح جناته .
( معركة بدر البوسنة )
كانت هذه المعركة هي الخاتمة للصرب في كثير من مناطق البوسنة وكانت أيضاً هي بداية الزحف باتجاه مدينة بنيالوكا وهي عاصمة صرب البوسنة , وكانت المنطقة التي تمت بها العملية عصية على الجيش البوسنوي لمدة ثلاث سنوات حيث قاموا بكثير من العمليات العسكرية على هذه المنطقة ولم تنجح , وهي تعتبر منطقة إستراتيجية وكانت تدعى بوابة موسكو لأن من يستولي عليها يستطيع أن يسيطر على كثير من المناطق , ويسر الله لي أن أكون مرة أخرى في إحدى مجموعات الاقتحام , وكانت طبيعة الاقتحامات أن تكون دائماً بعد صلاة الفجر وقبل الشروق مباشرة وهذا هو التكتيك المجدي نفعاً في البوسنة , فاستعنا بالله في ذلك اليوم واقتحمنا على المناطق وكنا نتوقع معركة شرسة وصمود من الصرب على ماهم فيه من الهزيمة النفسية ولكن لأهمية المنطقة كنا نتوقع منهم الاستبسال من أجل البقاء فيها ولكن أراد الله إلا أن ينصر عباده , فبعد أن بدأت المعركة كانت قذائف المجاهدين وطلقاتهم تنزل على الخنادق الصربية مثل الحمم البركانية , وحاول الصرب جهدهم في صد الهجوم ولكن المعركة وبحمد الله لم تدم سوى عشرة دقائق حتى كان الشباب مسيطرين على جميع خنادق الصرب متمركزين فيها , وقد قتل الإخوة في هذه المعركة الكثير من الصرب وأسروا الكثير أيضاً , وفي نفس الوقت فقدنا في هذه المعركة عدداً ليس بالقليل من الشباب بل وكانوا صفوة من الشباب الذين أراد الله لهم الشهادة في هذا النصر الكريم فقد قتل في هذه المعركة أبو ثابت المصري رحمه الله المسئول العسكري في كتيبة المجاهدين ذلك الرجل البسيط المتواضع بالهمة العالية , رجل عظيم في حقيقته بسيط أمام إخوانه رحمه الله وأسكنه جنات النعيم , وقتل أخرين أذكر منهم أخي الحبيب الغالي فياض اليمني رحمه الله وهو أحد الإخوة من مجموعة الزبير في توزلا , رجل حافظاً للقرآن عابداً لله رقيق النفس طيب المعشر , وأخي الحبيب الغالي خطاف البحريني ذلك الرجل العجيب الذي ما حمل يوماً ضغينة لأحد رجل كثير الفكاهة ما يجلس مجلساً إلا ويدخل السرور على قلب إخوانه وكان محبوباً من كل من عرفه وحق لمن بكوا عليه حين مقتله أن يكثروا من الدموع عليه رحمهم الله جميعاً وأسكنهم فسيح جناته .
بعد هذه المعركة بالذات توالت الفتوحات وسقطت مدينة ماقلاي أحد معاقل الصرب وبدأ الإخوة يتجهون باتجاه مدينة بنيالوكا حتى أصبحوا يبعدون عنها بما يقارب الثلث ساعة مسيراً بالسيارة , في هذه المرحلة جن جنون الإتحاد الأوربي والعالم الغربي عموماً وبدئوا في تحركاتهم السياسية في محاولة لوقف هذا الزحف الجهادي الذي يرون أنه نذير شؤم عليهم ولم يطل الأمر كثيراً حتى رضخت الحكومة البوسنوية للضغوط عليها وأعلنت وقف العمليات العسكرية وأعلن عن توقيع اتفاقية ( دايتون ) والتي كان من ضمن شروطها إخراج المجاهدين العرب من البوسنة .
في تلك الفترة تباينت الآراء لدى الإخوة هناك بين مستسلم للأمر الواقع وبين رافض لوقف العلميات القتالية ولكن في نهاية المطاف اضطروا للاستسلام لأن المسألة كانت جدية في الضغط على الحكومة البوسنوية وتهديدها فكانت إن استسلمت وألزمت العرب بوقف القتال , وأذكر أنه تلك الفترة حصل حدث رهيب كاد أن يقلب الأوراق على الطاولة في الواقع البوسنوي وذلك حين تم اغتيال الشيخ ( أنور شعبان ) رحمه الله المسئول الشرعي في كتيبة المجاهدين وقتل معه مجموعة من القيادات أذكر منهم أبو الحارث الليبي الأمير السابق لكتيبة المجاهدين وأبو زياد النجدي وأبو همّام الشرقي رحمهم الله أجمعين , وكان اغتيالهم في منطقة كروات البوسنة التي كان يعبرونها متوجهين إلى مدينة فزوتشا التي فتحت أثناء المعارك الأخيرة , ثار الشباب وقتها مطالبين بالثأر والهجوم على تلك المناطق الكرواتية وكثر اللغط حتى كادت أن تكون فتنة بين المقاتلين العرب بسبب ذلك , فتدخلت الحكومة البوسنوية طالبة من الكتيبة عدم القيام بأي عمل عسكري قد لا تكون عواقبه حميده على الصعيد العام , وبعدها كان قرار قيادة كتيبة المجاهدين نسيان ما حدث وكأن شيئاً لم يكن وهو القرار الذي سيظل يلاحقهم مذكرهم بالعار الذي ارتكبوه بهذا القرار والله المستعان وحسبنا الله ونعم الوكيل .
في هذه الأجواء قرر الكثير من الشباب الخروج من البوسنة وكنت أنا أحدهم والبعض الأخر قرر البقاء بعد أن منحتهم الحكومة البوسنوية الجنسية البوسنوية فاستقروا هناك كمواطنين .

وللحديث بقية

رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 06:06 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.0, Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Design And Develop By DevelopWay

تصميم : طريق التطوير
لحلول الإنترنت والتصميم DevelopWay.com