شاعت ، قبل سنوات ، قصة مفادها أن رجلاً ميْتاً استحال رأسه إلى رأس حمار قبل أن يوارى الثرى ، وحين سُئِل ذويه عن حاله قبل الممات أفادوا بأنه كان لايتورع عن رفع صوت الموسيقى وقتَ الآذان !
الذي اختلق القصة ، لم يبين نوع الحمار ، هل كان حساوياً أم من حمير حايل أم حماراً وحشياً ! ... غفر الله له
وآخر ، تفتق خياله ليفبرك قصةً تصلح لأن تسابق في موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأكبر كذبةِ خرجت إلى الناس في التاريخ المعاصر ، فادعى أن فتاةً حاول السائق اغتصابها ولكن الملائكة كانت له بالمرصاد فقامت بتكتيفه وجعل كلبشات الحديد تَلثُم معصميه ، وكان مما فات على الأخ الكريم النصاب قوله ، إكمال باقي القصة وأن الملائكة ذهبت به إلى قسم شرطة البطحاء بالرياض وهناك تم توقيفه وضربه ضرباً مبرحاً !
أما صاحبنا الثالث ، وهو كما يبدو أحد موظفي شركة الإتصالات السعوديه ، فقد زعم في رسالة نشرها عبر الجوال ، أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أتاه في المنام ووصّاه أن يبلغ الأمة سلامه ، وأن من يرسل رسالته عشر مرات في أقل من أربعة أيام فسيفرحُ فرحاً شديداً ومن يمتنع فالويل والثبور وعظائم الأمور في انتظاره !
قصص ، تبعث على الضحك ، ولاغير الضحك ..
وعند فراغك من الضحك عليها ، تلفّت حولك واضحك على من يصدقها ويسعى لنشرها !
سأتناول القضيه من زاويتين ...
الاولى : فكريه ، فالعقل السليم لاشك يلفظ هذه التفاهات ويمُجّها ، ولا أعتقد بعاقل يُصدق هذه الأكاذيب المُختلقة ، ولكن الواقع ، للأسف ، يشير إلى أن الناس باتوا يصدقون بل وينشرون مثل هذه القصص .
إن انتشار هذه الهرطقات في مجتمعاتنا مؤشرٌ خطير لانحسار ثقافة الفرد إلى أدني مستوياتها ، وأن المجتمع بات يعيش على الأساطير والتوهيمات التي ما انزل الله بها من سلطان ، وهذا كُله نتاج قلةِ القراءة والإطلاع التي أدت ، بالتالي ، إلى توقف العقل العربي بشكل عام ، واستعداده لقبول مايُعقل وما لايعقل ، وعدم إعماله في التمييز في مايصلح للتحدث أو النشر وما لايصلح لذلك ، وتلك إساءة واضحة لقدرات العقل في التفريق والتفسير !
وهنا ، نكرر ماقاله السابقون ، من ان تخلّي المجتمع عن الفِكر والثقافة والإستثمار في العقول ، مدعاة لانتشار الوساوس النفسيه والسحر والشعوذه والأساطير وغيرها من الميكروبات الفكريه !
أما الزاوية الثانيه ، وهي الأخطر والأعمق في القضيه ، أن المتابع البسيط لهذه القصص ، يكتشف علاقتها بالدين مباشرة ، بل أن كثيراً منها يصُب في بابٍ واحد ، باب الترهيب والتخويف من العقاب الإلهي للمخالفين ، وهنا الإشكال !
لا أريد أن أنسب مصادر هذه القصة إلى فئةٍ بعينها ، فالله أعلم بمن صنعها ودعى إلى نشرها ، ولكن دعونا نتفكر فيما يمكن أن تفعله هذه الأكاذيب بالمجتمع الإسلامي وبالإسلام وبالمهتمين بالإسلام من غير أهله .
إن صناعة هذه القصص والترويج لها فيه تقويض للقيم الإسلامية واختزالٌ لها في خزعبلات يطلقها بعض المنتسبين إليه ، ولاشك أن الإسلام يرفض مثل هذه الممارسات ، فكيف بأحدهم يدعي على الله - جلّت قدرته - أنه حوّل رأس رجلٍ إلى رأس حمار ؟! والآخر الذي ادعى أن الله مسخ الفتاة العُمانية إلى كائن لم يُعرف حتى الآن ! ، فهم بذلك انحرفوا بأصل ( الترغيب والترهيب ) ليصبح مطيةً للكذب والدجل والإدعاء على الخالق سبحانه وتعالى .
ثُم ، لنفرض أن كافراً قرأ مثل هذه القصص ، فماعساه أن يحكم على مجتمعنا وديننا ؟! لاشك أنه سيتهمنا باتباع الخرافه والإعتقاد بها ، وهنا إهانة للإسلام وأهله تأتي من أبنائه الذين لم يتورعوا عن نشر مالا ( يُخش العقل ) ! وقد يردد : يا أمة ضحكت من جهلها الأمم !
ينبغي على من يقرأ هذه القصص ألا يسعى إلى نشرها حتى لايدخل في دائرة ضعاف العقول والمتخلفين ، كما يجب على المجتمع أن يحاربها ويتصدى لها حتى تنحسر في نطاقها الضيق ولاتشيع بين الناس فتصبح حقيقةً تتراعد فرائص المرء من سماعها !
تحياتي ...