السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يروي مالك بن دينار ، رحمه الله ، فيقول :
" كنت رجلا من الشُّرَط ( أي أعمل في الشرطة ) قاسي القلب ، شاربًا للخمر ، عاصيًا لله تعالى ، سليط اللسان ، إلى أن رزقني الله ببنت مثل فلقة القمر ، كنت أرقبها وهي تشبّ وتكبر ، وحين أعود كل ليلة أجدها تنتظرني لتلعب معي وتجري هنا وهناك ، حتى عدت في أحد الأيام لأجدها عليلة مريضة ، ثم ما لبث أن اشتد مرضها حتى ماتت ، فأصابني هم شديد وحزن عميق ، ولم أدر ماذا أفعل فأخذت أشرب الخمر لأهرب من تذكرها ، حيث كل مكان في البيت يذكرني بها ، هنا كانت تلعب ، وهناك جلست لتأكل ، وجدران البيت تردد ضحكاتها ، إلى أن استبد بي التعب والحزن يومًا ، فرحت في نوم عميق ، فرأيت نفسي في فضاء رحب واسع ، والناس من حولي يجرون في فزع وخوف ، فنظرت خلفي فإذا وحش عظيم مخيف يجري نحوي يريد الإمساك بي ، فأخذت أجري وأجري أبحث عن مكان ألجأ إليه ، فوجدت قصرًا عظيمًا جميلاً ، فجريت نحوه أبغي الاختباء فيه ، فإذا في شرفة من شرفاته تجلس ابنتي والنور بادٍ في وجهها ، فلما رأتني صرخت وقالت : أبتاه ، ثم مدت يدها وأخذتني فأجلستني إلى جانبها ، ثم تبسمت وقالت : يا أبتاه ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ) ، يا أبتاه ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ) ، يا أبتاه ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ )
يقول مالك : فقمت فزِعًا من نومي ، فإذا المؤذن يؤذِّن للفجر ، فاستغفرت الله ، وتبت إليه ، ثم قمت فاغتسلت ، وذهبت لأصلي الفجر خلف الإمام الشافعي ، فإذا به يقرأ في الصلاة :
( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ) ، فأخذت دموعي تنهمر ، وأحسست بعظم ذنبي ، وبفضل الله عليَّ ورحمته وحلمه ، وشعرت بأن الله يخاطبني ويذَكّرني ، ثم بعد انقضاء الصلاة ، استدار الإمام الشافعي ، ثم بدأ يقول :
"يقول تعالى : ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ) ، ويأني : مشتقة من الآن ، فالآن .. الآن توبوا ، الآن .. الآن إلى الإيمان ، الآن .. الآن إلى الخشوع ، فاستغفرت الله وحمدته وعزمت على ألا أعصيه ، وأقبلت على مجالس العلم ، وأصبحت إنسانًا رقيقًا طيب الخلق بعد أن أحاطني الله برحمته وحلمه .
( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ )
بلي ، يا ربِّ قد آن لنا أن تخشع قلوبنا، وآن لنا أن نتوب.. نقف ببابك.. نرجو رحمتك وعفوك.. نتشرف أنا عبادك.. يا حليم.. يا غفار.. يا أرحم الراحمين .
السؤدد