بسم الله الرحمن الرحيم
حين يكون القلب موصولاً بالله ، والجوارح عاملة بطاعته ، كافة عن محارمه، يقذف الله في هذا القلب نورًا يُميز به بين الحق والباطل ، بين الصادقين والكاذبين .
إنّ صاحب هذا القلب وهذه الجوارح يرى في الحقيقة بنور من الله تعالى . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنّ لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم ). [حسنه الألباني].
هذه البصيرة، وهذه المنة من الله هي ما يسميه العلماء : الفِراسة الإيمانية ، واستدلوا لها بآيات من كتاب الله عز وجل، نحو قوله تعالى : (( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ )) ، فقد قال بعض أهل العلم : إنها نزلت في أهل الفراسة .
وقوله تعالى : (( وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ )) ، وقوله : (( يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ ))
إنّ أصل هذه الفِراسة هو الحياة والنور اللذان يهبهما الله لمن يشاء من عباده فيستنير القلب ، وبالتالي لا تكاد تخطئ له فراسة كما قال الله تعالى : (( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )) .
قال بعض الصالحين : من عمّر ظاهره باتباع السنة ، وباطنه بدوام المراقبة ، وغضّ بصره عن المحارم ، وكفَّ نفسه عن الشهوات ، واعتاد أكل الحلال لم تخطئ له فراسة .
قال ابن القيم رحمه الله : " وسِرُّ هذا أنّ الجزاء من جنس العمل ، فمن غضّ بصره عما حرم الله عز وجل عليه عوَّضه الله تعالى من جنسه ما هو خيرٌ منه . فكما أمسك نور بصره عن المحرمات أطلق الله نور بصيرته وقلبه ، فرأى به ما لم يره من أطلق بصره ولم يغضّه عن محارم الله تعالى " اهـ.
وثمّة فرق مهم بين الفراسة والظن ، إذ الظنّ يُخطئ ويصيب كما إنّ الظنّ يكون مع الطاعة أو المعصية مع حياة القلب ومرضه أو موته ، كما إنّ منه ما هو حرام : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ )) .
ماهر السيد ( الشبكة الإسلامية )
وممن اُشتهر بالفِراسة الشافعي ومحمد بن الحسن رحمهما الله
فقد رُوي عنهما أنهما كانا ذات مرة بفناء الكعبة وكان هناك رجل واقفاً على باب المسجد فقال أحدهما :
أراه نجاراً ( أي الرجل الواقف ) ،
وقال الآخر : بل حداداً ،
فتبادر من حضر إلى الرجل فسأله فقال : كنت نجاراً وأنا اليوم حداد .