رجعت الى زمن الجلادين ومعتقلات التعذيب
________________________________________
قبيل الغروب..
الشمس مشارفة على الافول..
الناس تستعد للعوده لمنازلها..
تزداد شقشقة العصافير على الاشجار..
البيوت الطينية القديمة تلتهب بين اضلعي متوهجة من اشعة الاصيل..
لا اعلم لماذا يجتاحني الحزن في تلك اللحظات..
تذكرني بحمل الحقيبة والوداع..لحظات السفر..
اشعر بحاجتي للحنان..لحضن داف..لمن يضمني..
لم اجد سوى الذكريات فأرتمي بين احضانها!!
ربما سبب حزني احساسي بتوديع يوم من حياتي- حتى وان كان قاسيا- طواه الزمان في سجل الذكريات لاعود اليه في يوم من الايام للارتماء بين احضانه..
في تلك اللحظات اسير والجبال في قلبي..وفي عيني البحار..تحبسها رجولتي,لاتجد متنفسا الاّ عند غيابي عن الاعين..
اسيرمتجها الى منزل قديم سوره متهالك تهدمت بعض من اجزائه.. تجاوزته شجرة السدر التي كانت تختبي خلف جداره..
وصلت بابه الخشبي العتيق..وقفت امامه لحظات..دفعته بسهولة!لم استطع ذلك من قبل.. كنت اسبق امي اليه وانتظرها تطرقه بحلقة في اعلاه التصق به وما ان تنفتح منه فتحة صغيرة تسعني ادخل مسرعا بدون استئذان..
دفعته ومازال الصرير هو الصرير الااته اصبح خافتا بعض الشئ..دخلت حوشه..مشيت عدة خطوات متقاربة بطيئة..وقفت في منتصفه..تلفت يمينا ويسارا..كل ما حولي( اكل عليه الدهر وشرب )-كنت اقول ذلك في نفسي لحظتها..تقدمت عدة خطوات متجها لغرفة استقبال الضيوف..
صغيرة تلك الغرفة!!كيف كانت تتسع للضيوف؟!..تأملت ساحتها التي يفرشها الغبار..تتضح عليه اثار قطط وريش متناثر وبقايا اجنحة عصافير..احجار الموقد مازالت وبقايارماد..خيوط العناكب تكاد تكسو الشبابيك وبقايا حشرات..
خطوط الاصباغ المتعددة المتعرجة مازالت واضحة بعض الشئ..تتقاطع معها خطوط بنية متسايلة من السقف..رفعت نظري الى اعلى الى انصاف جذوع نخيل وسعف.. لفت انتباهي ورقة ملمومة وموضوعة بفعل فاعل في سقف الغرفة بين السعف..دفعني فضولي لتفتيشها..استعنت بالباب.. صعدت..متمسكا بالباب مددت احدى يدي نحو الورقة..لم تمنعني ذرات الغبار المتساقطة في عيني من الوصول اليها..امسكت بها..حولت نظري للاسفل..سحبتها.. ارتميت على قدمي باتجاه ساحة الغرفة..قلبتها برفق -تبدو بالية!على احد جانبيهاايات قرآنية وبالجانب الآخرانشودة بلادي..انشودة لم يحبها الكثير من زملائي! انها قطعة ورقة من منهج درسته في المرحلة الابتدائية..عصف بي الحزن في تلك اللحظة ..عدت لاحضان الذكريات..ذكريات مؤلمة حقا..رجعت الى عصر الجلادين..الى معتقلات التعذيب..
دوّت في اذني لسعات سياط ..وكلمات بذيئة..وصرخات اطفال يستنجدون بـ(عورات)المعلمين..المجرمين
لم ينفعهم استنجادهم..ولم يستطيعوا الافلات من قبضتي..صغار لم يصلوا السن القانوني..
لم اكن سعيدا بمشاركتي في تعذيبهم..كنت مكرها ...لأنني كنت من التلاميذ المتفوقين...
ارتفع صوت المؤذن لصلاة المغرب ايقظني من غفلتي المؤلمة..لممت الورقة و مشيت مسرعا باتجاه الباب..وضعتها في صدع جدار السور..سحبت الباب..وخرجت..