وإطلالة بهية أخرى
2
الوصية الثانية
توحيد الصراط: يجعل الكتاب والسنة مصدراً للتشريع واتّباع سلف الأمة
ورد كل خلاف إلى كلام الله وكلام رسوله
إنه لابد من توحيد الصراط، فالأمة التي تريد أن تعتز وتنتصر لا بد أن يكون صراطها واحداً، بمعنى أن يكون منهجها وطريقها واحداً، ما معنى المنهج والطريق؟ يعني السنن العملية في الحياة، كما ينبغي أن يكون التشريع واحداً كذلك، وهذا الذي نقوله ونطلبه في صلاتنا إذ نقول: {اهدنا الصراط المستقيم}.
الصراط: الطريق {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}.
والنبي صلى الله عليه وسلم خط خطاً وخط بجانب هذا الخط المستقيم خطوطاً متعرجة فقال: [هذا صراط الله مستقيماً، وهذه السبل على كل سبيل شيطان يدعو إليه ثم تلا قوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}].
ما معنى الصراط؟ الصراط منهج عملي كامل، بمعنى أنك في الأربع والعشرين ساعة تعمل، تعمل أشياء كثيرة، قيامك من النوم وطهورك وصلاتك وخروجك من منزلك وسعيك لمعاشك، وتربيتك أولادك، ومعاشرتك لجيرانك، وزوجتك، والناس وتعاملك، وكلامك، وأخذك، وبيعك، وعطاؤك، وما تقابله من نعيم في هذا اليوم وما تقابله من محن ومشكلات، المنهج العملي الكامل هو مجموعة التصرفات كلها، لا يوجد تصرف من تصرفات الإنسان ليس لله فيه حكم {ما فرطنا في الكتاب من شيء} {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء}.
فما من تصرف للإنسان على هذه الأرض إلا ولله فيه حكم، فيقول لك هذا مباح فاعمله، وهذا واجب لا بد أن تؤديه، أو هذا حرام إياك أن تفعله، أو هذا مندوب إن شئت فعلته فلك أجره، أو هذا مكروه الأولى لك أن تتركه، فأعمال المكلفين تقع ضمن أحكام تكليفية، ما ينفك المكلف عن حكم الله، هذا معنى الصراط، الصراط هو المنهج العملي فالدين صبغة كاملة: كيف تتصرف تجاه الله سبحانه وتعالى، تجاه النبي، تجاه المؤمنين، تجاه الكفار، تجاه الزوجة، تجاه الأولاد، تجاه الناس، لا يوجد تصرف من هذه التصرفات إلا وفيه حكم، وبالتالي لابد أن يكون لنا تصرف واحد، فإذا قال المؤذن: حي على الصلاة: فنتوجه جميعاً إلى الصلاة، وإذا رأينا المنكر تشمئز منه قلوبنا، كلنا نشمئز من هذا المنظر، ونحاول إنكاره بما استطعنا، إذا حلت بنا مصيبة وقفنا منها موقفاً واحداً: الصبر والتسليم لأمر الله والتصرف بما أمر الله سبحانه وتعالى، هذا إذا كان تصرفنا واحداً.
ولكن إذا كنا مختلفين في العقيدة تصرفنا تصرفاً مختلفاً، فإذا قال المؤذن: حي على الصلاة: فواحد يكره هذا ويولي ظهره وآخر يلبي النداء، إذا رأينا منكراً، أحدنا يستحسن هذا، وآخر يستنكره، وإذا رأينا امرأة عارية في الطريق فواحد يستحسن هذا، ويشجع هذه ويأمر به، وآخر يلعنها ويسبها، ويقول لها: لعنك الله، لقد خالفت أمر الله وأمر الرسول وتستحقين اللعن، وهكذا يكون تصرف أمام المنكر مختلفاً، فلا بد من توحيد الصراط في العمل، وكذلك في المنهج التشريعي: صلاتنا واحدة، وصيامنا واحد، فقهنا واحد، ما أمكن بالطبع، توحيد الصراط، وهذا بلا شك لا يعني التطابق التام في كل صغيرة وكبيرة، لأن في قضايا الإسلام كما ذكرنا صبغة عامة، ولا يمكن أن يتطابق المسلمون حول كل تصرف من التصرفات، وبالتالي لا بد أن يكون هناك اختلاف في بعض القضايا الاجتهادية، لكن الله تبارك وتعالى أرشدنا فقال سبحانه: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} وقال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً}.
سيبقى عندنا إذا اختلفنا مركز اللقاء في كلام الله وكلام رسوله، يكون هذا هو المرجع، لا عقلي ولا عقلك ولا عرفي ولا عرفك، ولا أخلاق قبيلتي وأخلاق قبيلتك، إنما المرجع إذا اختلفنا هو كتاب الله وسنة نبيه محمد عليه السلام، كل أحد بعد النبي يؤخذ من قوله ويرد عليه، هذا هو المنهج كما قال الإمام مالك: ما منا إلا وقد رد -أي على غيره من العلماء- ورد عليه -أي من العلماء- إلا صاحب هذا القبر (يعني النبي صلى الله عليه وسلم).
فالذي يرد على النبي كالذي يقول للرسول: أخطأت في هذا الاجتهاد، أو أنت لم تحكم بالعدل في هذا، أو هذا مخالف للمعقول، هذا يكون كافراً بالله، لأن الرسول لا يشرع من عند نفسه، أما غير النبي فيمكن أن نرد عليه ونقول: أنت جاوزت الحد في هذا، كلامك في هذا مرجوح، وقولك في هذا مخالف للحق، لا مانع في هذا، ما دمنا نعتقد أن الحكم بيننا هو الرجوع إلى كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم. هذه قضية هامة.
المسلمون اليوم مختلفون في المنهج التشريعي: في مسائل العبادات ومسائل العمل ومسائل الحرام والحلال، لابد من محاولة جمع شمل الأمة الواحدة، لابد أن يكونوا متفقين في هذا، كان الصحابة يتشددون في هذا تشدداً عظيماً جداً، أذكر مثالاً على ذلك: عندما اختلف الصحابة: هل الغسل من الجنابة هو من الإنزال أو من التقاء الختانين، فقال بعضهم: "إنما الماء من الماء" وجاء عمر رضي الله عنه وحسم القضية وقال: "سلوا عائشة" فقالت: "إني سمعت رسول الله: يقول: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل".. فقال عمر: لا أسمع أحداً أفتى بخلافه إلا جعلته نكالاً. (رواه الإمام البخاري) والمعنى أنكل به لو أفتى بخلاف ما توصلنا إليه أنه الحق: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}.
فتوحيد الصراط مهم جداً فالصحابة كانوا يختلفون في بعض الأمور ولكن في الأمر الجامع لا يختلفون: اختلفوا في قضية الإتمام في السفر، إتمام الصلاة الرباعية، فهذا عثمان رضي الله عنه كان يتم وهو في الحج فأفتوا بخلافه، ولكن عندما كان يقوم للصلاة، كانوا يصلون خلفه أربعاً، فقال بعضهم: كيف تفتون أن الصلاة اثنتان وتصلون أربعاً، فقالوا: سبحان الله أمير المؤمنين!!، والمعنى لابد من اجتماع الكلمة ولا يجوز الخلاف، بل لابد من الاجتماع، وهذا لا يكون إلا بتوحيد الصراط، لا يكون إلا بالتحاكم في كل خلاف صغير وكبير إلى كلام الله وكلام النبي صلى الله عليه وسلم. وأن كل إنسان يأخذ من قوله ويرد عليه وأنه لا عصمة إلا لكلام الله وكلام النبي.
هذا أمر هام، لأن الله عز وجل يقول: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}، لأنه بالتنازع والاختلاف يكون الفشل وذهاب الريح، ولابد من توحيد صراط الأمة وهذا بتعليمها مناهج الإسلام كلها حتى يظهر في الأمة النموذج الكامل للإسلام.