(وادي العجمان)
---
يومياً
بعد صلاة الفجر مباشرةً
وقبل ان يبدأ المصلون في تلاوة اذكار الصلاة
ينهض مسرعاً
وبخطوات سريعة متباعدة
يتجه الى مكانه المفضل
في مؤخرة المسجد
حيث يتيح له ذلك المكان
زاوية رؤية واسعة
تمكنه من رؤية وجوه المصلين حال خروجهم من المسجد
يتطلع الى وجوههم باهتمام
و في داخل رأسه المتحجر
قائمة بأسماء رواد المسجد
من حضر الصلاة يشطب اسمه
ومن لم يحضر؟؟
راح فيها
كان هذا الروتين اليومي للشايب ابو فدغوش
منذ ان توفيت زوجته قبل خمس سنوات
يحصر اسماء الغائبين عن صلاة الفجر
واذا واجههم بعدها في المسجد
عنفّهم ووبخهم
امام الملأ
وبطريقة همجية منفّرة
و في احد الايام تخلفتُ عن صلاة الفجر
وبعد صلاة الظهر من ذلك اليوم
وقبل خروجي من المسجد
استوقفني ابو فدغوش
و ادارني حتى اصبحنا متقابلين
قبض بكلتا يديه على مرفقيّ
ثم بدأ بنفضي
والصراخ علي
وتعنيفي لعدم حضوري لصلاة الفجر
اتهمني بالنفاق
وبالسربته
دون ان يسمع مني تبريرا لتخلفي عن الصلاة
سقط عقالي من قوة النفض
و ابتل ذقني بلعاب ابو فدغوش
تركني بعد ان فرّغ عقده النفسية فيني
وقفت مشدوهاً ومصدوماً
كفتاةٍ مغتصبة
كان ثوبي (يرشخ) عرقاً
من هول الموقف
انحنيت لالتقط عقالي
متعوذا من الشيطان الرجيم
محاولا قدر طاقتي ان لا (أكفر في ذا الشايب)
تدخل العقلاء
وعاتبوا ابو فدغوش
و اثنوا على صبري وجلدي
في الحقيقة
لم اكن الوحيد الذي تعرض الى هذا الموقف
ففي كل اسبوع هناك اكثر من ضحية
---
تمر الايام
وتدور الدائرة على ابو فدغوش
ويغيب عن صلاة الفجر
في ذلك اليوم كنت في الكويت
ووصلني مسج عاجل في الصباح الباكر
كان المسج من احد ضحايا ابو فدغوش
وكان نصه:
<ابو فدغوش ما صلى الفجر، انشر ولك الاجر>
تهللت اساريري
فقد حان وقت الانتقام
تأبطت جواز السفر
وامتطيت صهوة موتري
وانطلقت قاصدا الديرة(الوادي)
وصلت النويصيب
كان المنفذ مزدحما
صادفت بعض ضحايا ابو فدغوش في المركز
تبادلنا التحايا
و عبارات التشجيع
فالهدف واحد
والمصير مشترك
---
وطوال الطريق
كان مسجلي يصدح بالاغاني الحماسية
وعند وصولي لمفرق النعيرية
ومن شدة النشوة
شغلت اغنية فيروز
(نسّم علينا الهوى من مفرق الوادي)
ولم يخالجني الشك حينها
ان كاتب هذه الكلمات يقصد مفرق النعيرية
وصلت الديرة
قبل صلاة الظهر بساعة
توجهت لبيتنا
سلمت على الشيبان
جلست معهم الى ان اذن الظهر
انطلقت بعد سماع الاذان مباشرةً الى المسجد
كان مكتظاً بضحايا ابو فدغوش
من الكويت
ومن الرياض
ومن الشرقية
ومن شتى بقاع الارض
جمعتهم الرغبة في الانتقام
اقترب وقت الاقامة
ولم يحضر ابو فدغوش بعد
اقيمت الصلاة
و صلينا الظهر
فرغنا من الصلاة
التفت الى الصفوف الخلفية
كان ابو فدغوش قائماً
يقضي ما فاته من الصلاة
انتهى من صلاته
نهضت و كنت اول من توجه اليه
وفي خاطري ان أرد له الصاع صاعين
لكن
ما ان رأيت نظراته الحزينه
ولحيته الكثة البيضاء
وتجاعيد وجهه
وعينيه الغائرتين
حتى (كسر) خاطري
انحنيت عليه
وقبلت رأسه
سألته عن حاله وصحته بلهجة رقيقة وصوت خافت
وبكل صدق قلت:
<أرب ما انت بتنّس شي يا ابو فدغوش؟>
تأثر ابو فدغوش من سؤالي
ومقابلتي لاساءته بالمعروف
استطعت ان ارى الدمع يترقرق في عينيه
قبض على ذقني بسبابته وابهامه
ثم قبّل اصبعيه
وقال:
<جعلك ما تنّس خبيث>
غادرت المسجد
وقد غمرني احساس جارف بالسعادة و الراحة
لم اشهد ما حدث بين ابو فدغوش و بقية ضحاياه
ولكن ورد الى سمعي انهم تصرفوا كتصرفي
لم يجرؤوا على معاملته بالمثل
سحرتهم نظراته و شيباته وتأثروا بها
و تأثر هو بدوره من معاملتهم له
فمنذ ذلك اليوم
اقتنع ابو فدغوش انه كان على خطأ
واقلع عن تلك العادة السيئة
ولم يعد الى تكرارها
الى ان توفّاه الله قبل ايام قليلة
بعد دخوله في غيبوبة دامت شهرين
رحمك الله يا ابا فدغوش
واسكنك فسيح جناته