(1)
اليوم،
توقفتُ أمام مرآة عريضة تتواجد في دورة المياه الخاصة بمدرستنا. كانت هنالك فتاةٌ تراقبني من الخلف وأنا أغسل معصمي من الدم المتدفق منها. منحتها نظرة غاضبة ثم غادرت. حينها، شعرتُ بجموع الفتيات قرب المدخل، يراقبنني في فضول أو رهبة.
كان قميصي الأبيض مبتلاً لا بالماء ولكن بدمي، امتداداً من عنقي وحتى منتصف صدري، وذلك لضربةٍ على رأسي بزجاجة فارغة تلقيتها من " مريم " قبل قليل. كان الدم يتدفق من معصمي بعد أن جرحتني هذه الفتاة وأنا أحاول الدفاع عن نفسي وإبعاد الزجاجة المكسورة من يدها.
غادرت المكان، و وجدتُ سكرتيرة مديرة المدرسة بإنتظاري وبرفقتها إحدى مسئولات " الأمن " اللاتي وظفتهن المدرسة خصيصاً لمنع المشاجرات الدامية والعنف بين الطالبات. تقدمتُ نحوها و دون النظر إليها، ووجدتها تخاطبني بجفافٍ كريه:
- أين " مريم "؟
-لا أعلم .
هتفت إحدى الطالبات بصوتٍ عالٍ لا يخلو من فضول نسائي كريه:
-في الطابق الثالث، رأيتها تتجه هناك.
صمتت السكرتيرة للحظة وأشارت عليّ بأن أتبعها، ووجدت مسئولة الأمن تجذبني من طرف قميصي المبتل بعنف وكأنها تعتقد بأنني سأقاومها أو أحاول الهرب. كنت أسير و لا شيء محدد يدور في رأسي، كأن كل شيءٍ صامت وأسود.
حتى وقفتُ أمام مكتب المديرة و رأيتها تشير إلي بالدخول أثناء وقوفها. رغبت في أن تصفعني كآخر مرة، لكنها وجدتني غارقة في دمائي، فعادت لتجلس على مقعدها في امتعاض. جلست أمامها، فرمقتني بنظرة تفيض غضباً و جفافاً:
-من سمح لكِ بالجلوس؟
-أعتذر، لكني متعبة.
-ليست مشكلتي .. لأنكِ أنتِ من تجلب المشاكل لنفسها، لم لا تتوقفين عن إثارة المشاكل في المدرسة؟ أنتِ و " مريم" ؟ ما خطبكما؟
فوقفتُ على قدمي مرة أخرى، وبدأ الدم يتدفق من جديد .. كنتُ أشعر بحرارته في يدي، يقطر أرضاً. أما رأسي، فكان يؤلمني بشكلٍ لا يحتمل. كنت أدعو الله أن تنهي مالديها و تعاقبني سريعاً لينتهي كل شيء و أغادر المكان. إنها المرة الثالثة خلال شهرين التي أجدني فيها واقفة بكل ذل أمام هذه العجوز.
أخرجت ملفاً أخضر اللون، و أضافت إليه ورقةً ما، و أمرتني بأن أقضي باقي اليوم كله وقوفاً أمام مكتبها، حتى يراني الجميع ويتعظ. وأخبرتني بقرار فصلي من المدرسة فصلاً دراسياً كاملاً كعقوبة تأديبية وعلى والدتي مراجعة مكتب الإدارة غداً.
لا أعلم كيف قضيت ثلاث ساعاتٍ وقوفاً على قدميّ، ولم أشعر خلال ذلك الوقت بيد الممرضة تلف يدي بقطعة شاشٍ بيضاء وتنصحني بلغةٍ عربيةٍ مبعثرة أن أراجع الطبيب بعد انتهاء الدوام. وكنت أتسائل حقاً، ما دورها في هذا المكان إذا لم توقف نزفي؟
...
لي عودة