السلام عليكم
الغزل العذري غزل نقي طاهر ممعن في النقاء والطهارة، وقد نسب إلى بني عذرة إحدى قبائل قضاعة التي كانت تنزل في وادي القرى.
وقد أكثر شعراؤها من التغني به وكتابته, ويروى أن سائلا سأل رجلا من هذه القبيله ممن أنت? قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا ويروى أيضا أن سائلا سأل عروة بن حِزام العذري صاحب عفراء : أصحيح مايروى عنكم من أنكم أرق الناس قلوبا? فأجابه: نعم والله لقد تركت ثلاثين شاباً قد خامرهم الموت وما لهم داء إلا الحب.
أحببت أن أكتب لكم هذه المقدمة التي تختص بشعراء الغزل العذري لتمهد الطريق لقصة الشاعر العذري( قيس بن ذريح) معشوق ( لبنى ) والتي أحسست فعلا أنها قصة تستحق التخليد ليس في كتابتنا فقط بل وحتى في مخيلتنا أن أمكن..
قيس بن ذريح: من قبيلة كنانة, كانت عشيرته تسكن في ضواحي يثرب, وعُرف أنه رضيع الحسين بن علي (ر) ولا نعرف شيئاً عن نشأته, بل تساق لنا قصة حبه, وكأنها هي كل حياته. وهي قصة محبوكة الأطراف.
إذ يروى أنه مر في إحدى رحلاته بديار لبنى الخزاعية فرآها ووقعت في قلبه ووقع في قلبها.
وذهب إلى أبيه وكان كثير المال موسرا يعرض عليه أن يخطبها له, فأبى وحاول أن يجد عند أمه معونة على أبيه, فلم يجد عندها ما أراد, فلجأ إلى رضيعه الحسين بن علي (ر) فتوسط له عند أبيه وأبيها وأعظم بهذه الواسطة. وتزوج العاشقان, غير أنهما لم يرزقا الولد.
وداخلت أمَّ قيس الغيرةُ من كلف ابنها بلبنى. ومرض قيس ,فأوعزت إلى أبيه أن يغريه بطلاقها ويتزوج بأخرى رجاء أن يرزقه الله الولد.
وأخذ الوالدان يلحان عليه بعد شفائه من علته أن يفارقها وصدع لمشيئتهما, وتولاه جزع شديد حتى قبل أن تبرح دارها إلى دار أبيها, وصادف أن نعب غراب قبل رحيلها فتشاءم تشاؤما شديدا ونظم في نعيبه أشعارا كثيرة منها قوله:[/
لـقـد نادى الغراب ببين لبنى فـطار القلب من حذر iiالغراب
وقـال : غـداً تباعد دار لبنى وتـنـأى بـعـد ود iiواقتراب
فقلت: تعست ويحك من غراب وكـان الدهرَ سعيُك في iiتباب
ورحلت لبنى فاضطرمت جذوة الحب في قلب قيس اضراما، ووجد بلبنى وجدا ليس له مثله وجد.
ومضى لا ينعم بطعام ولا بشراب، يذكرها مستيقظا ويطوف به خيالها نائما ويقول في غرامه لها:
لقد لاقيت من كلفي iiبلبنى بـلاء ما أسيغ به الشرابا
إذا نادى المنادي باسم لبنى عييت فما أطيق له iiجوابا وكانت لبنى تسمع بوجده وشعره فلا يهنأ لها عيش وتبكي مصيرها ومصيره.. ويروى أن غلاما أتاها بأربعة غربان فذكرت أشعار قيس في غراب البين وأخذت تنتف ريشها وتقول:
ألا يا غراب البين لونك شاحب وانـت بلوعات الفراق جدير
ولما أضنى الحب قيسا رق له بعض رفاقه فواعدوه أن يخرجوا معه إلى ديار لبنى لعله يحظى برؤيتها, ووقعت عينه عليها فخر مغشيا عليه وعادوا به وهو لا يكاد يفيق من غشيته.
وأشار عليه أحد أصحابه أن يحج لعله يسلوها، ففعل، واتفق أنها خرجت هي أيضا للحج فرآها هناك ولقيها فعرف أنها مازالت تحفظ له العهد وأنشد يقول:
تـعلق روحي روحها قبل خلقنا ومن بعد ما كنا نطافا وفي المهد
فـزاد كـما زدنا فأصبح iiناميا ولـيس إذا متنا بمنصرم iiالعهد
ولـكـنـه باق على كل حادث وزائرنا في ظلمة القبر iiواللحد
وما زال أبوه يلح عليه أن يتزوج بأخرى لعله ينسى صاحبته.. وتمضي القصه فتزعم أنه رأى في بعض أحياء العرب فتاة تسمى لبنى فيها مخايل صاحبته, فتزوجها ولكن حنينه إلى صاحبته عاوده.. وتزعم القصه أن أباها شكاه الى معاوية فأهدر دمه وأرسلت إليه لبنى تعلمه الخبر ويروون أنها تزوجت غيره عله ينساها ولكن أنى له?
ومضى الى ديار قومها فوجدها قد رحلت مع زوجها فوضع خده على التراب وبكى أحر بكاء منشدآ
وإن تك لبنى قد أتى دون iiقربها حـجـاب مـنيع ما اليه iiسبيل
فـإن نـسـيم الجو يجمع iiبيننا ونبصر قرن الشمس حين تزول
وأرواحنا بالليل في الحي تلتقي ونـعـلـم أنـا بـالنهار iiنقيل
واشتد به الهيام والوجد وظل على هذا النحو يشكو حبه وندمه حتى رأى رضيعه الحسين وبعض من أصحابه أن يكلموا زوجها لعله يردها عليه، فصدع لمشيئتهم راضيا (!!!) فعادت لبنى الى قيس وظلت عنده حتى ماتت فأكب على قبرها يبكيها ولم يزل عليلا حتى لحق بها فدفن إلى جنبها..
أتمنى أن القصه قد اعجبتكم فهي فعلا قصه جميلة تستحق الكتابه..